ليبيا بين الانقسام والتّقسيم…؟!

الوضع في ليبيا منقسم ومعقّد في ظل التدخلات الخارجية...

يبدو أن المسألة الليبية، وليست الأزمة الليبية كما كنا نقول حتى الآن، نقول بمصطلح ”المسألة الليبية”، على نمط ”المسألة الشرقية”، متجاوزين استخدام مصطلح الأزمة/الكارثة لأن القضية أصبحت أكبر وأخطر وذات تشعبات وامتدادت دولية… فقد دخلت القضية الليبية في تعقيدات جديدة لن تسمح بتحقيق السلام كما وعدت مؤتمرات سابقة… والمؤكد أن قتال الجيش الليبي برئاسة المشير ”خليفة حفتر” محكوم بطرد المسلحين من العاصمة ومن كل الأماكن… لا يمكن لعاقل إلا أن يقف بحماس مع هذا التوجه… ليبيا مع كل أخطاء القذافي وانشطاراته، إلا أنها أعطت الأمان الكامل لشعبها، لكن مهندسي المؤامرات والاغتيالات أدركوا ما بعد المؤامرة على ليبيا فقتلوه… والتاريخ هو الذي سيحكم على مرحلة القذافي إيجابا أو سلبا.

الليبيون يتقاتلون، ولا أحد يقاتل أحدا بالمجان … هنالك داعمون للأطراف، وهنالك من ما زال يراهن على انتصار الشر المتمثل بالمسلحين الذين اغتنوا من السطو على الأرض الليبية بكل غنائمها ما فوق الأرض وما تحتها. والمؤكد أن محيط ليبيا العربي لن يبخل في تأكيد موقفه ضد الإرهاب التركي الذي كبر كثيرا وتنظم أكثر ودعم إلى حد الانتفاخ… وصار لكل زاوية بطرابلس… يحكمها ”السراج”، مرشد وزعيم وقطعة أرض بحجم دولة، ونعرف أن ليبيا ذات مساحة هائلة على عدد سكاني بسيط.

ليبيا - حفتر والسراج في موسكو
حفتر والسراج في موسكو

إن الصراع الدامي على الأرض الليبية بين الأطراف المتقاتلة أخذ مناحي أكثر جذرية ودموية وشمولية… فإضافة إلى الاصطفاف في المعسكرين الكبيرين المتقاتلين في ليبيا وعليها: ”معسكر الدولة الوطنية ومن يناصرها” من جهة، و”معسكر من يريدون إسقاطها وإسقاط النظام فيها” من جهة أخرى… هناك من يعمل على تدمير ليبيا بالمطلق، ومن يريد تقسيمها إلى دويلات، ومن يستغل محنتها ليقيم مشروعه الخاص على حسابها، سواء أكان أولئك من ذوي الميول الانفصالية القديمة المتجددة، أو من الصغار أصحاب الدكاكين السياسية الذين يتطلعون إلى دويلات عابرة للدول الحالية ”تٌفصَّل على مقاساتهم وتلبي طموحاتهم المريضة”، أو من أصحاب المشاريع الاستعمارية التركية الغربية التي تستهدف ليبيا وتستهدف المنطقة كلها بصورة عامة.

وضمن إطار هذه التقسيمات العامة للجهات المتقاتلة والقوى الراعية والممولة والمتفاعلة والمشاريع المستهدَف تحققها… هناك صراعات تفصيلية وتفاصيل ميدانية وخصوصيات شخصية كلها ذات أهمية وتأثير كبير في مجرى الأحداث، وتسهم في التأسيس لمزيد من التعقيدات في المسألة الليبية، وإن كانت لا تضاهي في تأثيرها وأهدافها ما للمعسكرات والتكتلات والتجمعات الكبيرة التي أشرنا إليها في ما سبق من كلام في الموضوع…

فهناك البعد القبلي الذي ما زال موجودا وفاعلا، خفيّا آنًا وظاهرا آنًا آخر، وهو في الأغلب الأعم جمر تحت الرماد، ويقدم نفسه للداخل والخارج بصيغ متعددة تنقصها الموضوعية والبراءة، وكلها تتداخل وتسهم في تشكيل أبعاد المسألة التي تُقدَّم أحيانًا على أنها مشكلة قبائل تاريخية وضرورة البحث عن صيغ حماية لها ومحافظة على حقوقها وما إلى ذلك مما ينطوي على مغالطات… فالتدقيق الموضوعي في الأمر يفضح صلة ذلك الطرح بالمشاريع والأهداف الكبيرة التي تستهدف ليبيا وهي مما أشرنا إليه في الإجمال السابق… لأن الأكثرية في ليبيا لم تضطهِد أي قبيلة، ولم تكد تحكم أصلًا في عمر الدولة الممتد من عهد الاستقلال حتى يتبين إن كانت تضطهِد أو يمكن أن تضطهِد، فقد كانت شكوى الناس في المجمل من الاستعمار وما غذاه من فتنٍ وأحقاد، ومن الإقطاع وممارساته، ومن أشكال الطغيان ”الديكتاتورية’.’

وهناك في مجال التفاصيل والصراعات الثانوية المؤثرة، مجموعات من الانتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة يسهلون ـ قصدا أو بدون قصد ـ تحول البلد إلى بؤرة للإرهاب وملاذ للجماعات المتطرفة من مختلف بلدان المنطقة. وهناك الحانقون على النظام السابق فقط لأنهم لم يتمتعوا بامتيازات كبيرة (جهوية أو فئوية أو فردية) كانوا يطمحون إليها ووجدوا في انهيار النظام فرصة لتحقيق طموحاتهم على حساب البلد ومستقبله، غافلين عن أن دمار البلد لا يترك لهم ميزات ولا مصالح. وهناك بالطبع تيار انتهازي (من جماعة الأخوان وأمثالها وميليشياتهم المسلحة) يتصورون أنهم وجدوا في الوضع الراهن ضالتهم في إقامة نقطة انطلاق بهدف ”غزو بقية المنطقة” بدعم من قوى إقليمية تتبنى تيار ما يسمى ”الإسلام السياسي”.

أما المعسكر الكبير والأخير، فهو البقية ممن يسعون للحفاظ على بقايا البلد وإقامة مؤسسات وطنية تضمن ”وحدة البلد وسلامة أراضيه” في مقدمتها جيش وطني ينظف البلد من الإرهابيين والميليشيات ويكون سندا أساسيا لأي سلطة مركزية.

ربما لهذه التعقيدات الكثيرة والكبيرة في الأوضاع الداخلية والإقليمية والدولية ولسواها أيضا مما يضاعف حجم المشكلة ويحولها من داء إلى علة مستعصية على الدواء. ويبدو من متابعة التطورات في ليبيا في الآونة الأخيرة، أن لا أحد يريد حلا لمعضلة هذا البلد الذي دمرته الحرب منذ الإطاحة بنظام العقيد القذافي. ولابد من التأكيد أنّ السبب الرئيسي لاستمرار التدهور، وعدم وجود حل في ليبيا، هو تلك الجماعات الإرهابية والميليشيات وعباءتها الأشمل المتمثلة في تنظيم الإخوان وحوارييه والقوى الداعمة لهم من تركيا وقطر… والتي تغض الطرف عنهم دوليا.

ويحظى هؤلاء بموقف غربي يرى ضرورة فرضهم على الليبيين، وتلتزم الأمم المتحدة بذلك (خاصة مع تبني بريطانيا والقوى الغربية وفي مقدمتها أميركا لهذا النهج) في كل مشروعاتها للتسوية السياسية في البلد. الدول الغربية التي تتباكى على الشعب الليبي، كانت موجودة مع التركي تحت سقف واحد في مؤتمر برلين، ولكن، أي أحد من ”ذلك الجميع” لم يقل لماذا تجاهل المؤتمر التدخل العسكري التركي المباشر وتدفق السلاح التركي المتواصل والمتصاعد إلى حكومة السراج… لماذا لم تتضمن بنود المؤتمر بنداً يُلزم النظام التركي بسحب قواته، وأن يكون جزءاً من وقف إطلاق النار وليس أن يتحول إلى الطرف الوحيد الذي يطلق النار..؟!

ليبيا

إن الوضع في ليبيا أصبح منقسما في ظل الظروف المعقدة والتدخلات الخارجية والتي هدفها المصالح والنفوذ في دولة تمتلك ثروات كبيرة وسواحل طويلة ممتدة على شاطئ البحر المتوسط ، ولاشك أن الخاسر الأكبر هو الشعب الليبي الذي يستحق ظروفا وحياة أفضل. ومن المؤسف أن يعجز الليبيون عن الوصول إلى تفاهم أو حتى إلى سلوك طريق يؤدي إلى التفاهم وحقن الدماء ووقف توسع المأساة وتعميق الجراح، ومن المؤسف بصورة أكبر وأكثر مأساوية أن تُرتهن إرادتهم ويُرتهَن قرارهم ومستقبل بلدهم، أو أن يجعلوا هذا البلد العزيز شبه بصيغة المرتهَن لإرادات وقوى وأطراف أخرى…

ومن المؤلم إلى أبعد الحدود أن يسهم كل طرف من الأطراف المتصارعة باسم الشعب والوطن والحرية والاستقلالية والديمقراطية و… و… أن يسهم أو يُفرَض عليه أن يسهم بوضع القيود والأغلال في أيدي الليبيين وأعناقهم لأجيال، وأن تكبل ليبيا الوطن بما لا طاقة لها به من قيود فضلًا عما لا يليق بها وبتاريخها المجيد من مواقف… من يعطيك اليوم سيأخذ منك غدا، ومن تدعوه ليبذل دما إلى جانبك سوف يطالبك غدا بقيمة الدم أو بوقفة إلى جانبه تكلفك دما وقد لا تكون من أجل حق يستوجب الدفاع عن الحق.

لم ينجح المبعوثون ”العرب والدوليون” حتى الآن بتقريب وجهات نظر أبناء وطن واحد وشعب واحد تجاه بعضهم بعضا ؟! وفي تقديرنا المتواضع، المطلوب اليوم أمران لا ثالث لهما، الأول: عدم انتظار الحل من الخارج، عملياً وليس كلامياً فقط، والثاني: أن تكف حكومة ”السراج” عن الحديث باسم “الليبيين” كلهم، وتكتفي بالحديث باسم “ليبيين” محددين قلوا أم كثروا، وأن لا تدعي امتلاك الحقيقة والحل بمفردها، وطلبها من بقية الأطراف الموالية والمعارضة التسليم به، ودعوتها للقبول “بحوارها” و”حلها العسكري” وفق شروط الآمر الناهي المحتل التركي، فهذا الأمر مكشوف و يخفي في طياته فكراً ”أحادياً إقصائيا استبدادياً”. بعبارة أخرى من يريد الحل السياسي، ويدافع عن الشعب الليبي، عليه التخلي عن الولاء لأعداء بلده، والتسليم بأن الحل لا يصنعه إلا الذين يضعون مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار ويبحثون عن حل عبر حوار وطني جامع وليس إلغاء الآخر والحصول على مكاسب سياسية، كما هو الحال الآن عند الميليشيات والمرتزقة الأخوانية المتعيشة من أموال البترودولار.

وعليه فإن الحل في النهاية ليبي بامتياز، أولاً في الميدان عبر القضاء على التنظيمات الإرهابية بمختلف إيديولوجياتها ومسمياتها، وثانياً إعادة من ضلوا الطريق إلى حضن الوطن عبر المصالحات الوطنية، وعندما يتمّ ذلك يصبح الحل السياسي تحصيل حاصل، وسهل المنال، طالما أنه سيكون تحت سقف الوطن ودون تدخل خارجي ويبحث عن مستقبل أفضل لليبيا.

فالشعب الليبي قادر على إيجاد مقاربات تخرجه من أزمته، ولا يحتاج إلى مؤتمرات ولا اجتماعات أو غيرها لصنع الحل، وتبقى مهمة الخارج محصورة بوقف التدخّل، وهي أكبر خدمة يمكن أن يقدّمها لليبيا. أما إذا استمر التدخل الخارجي المدفوع بمصالح ونفوذ، فإن مزيدا من العنف والمشكلات سوف تقود ليبيا إلى أتون صراع مزمن سوف يمتد إلى سنوات تضيع من خلالها المزيد من المقدرات الوطنية، حيث تخسر ليبيا ـ على سبيل المثال ـ مليارات الدولارات بسبب توقف معظم آبار النفط نتيجة الصراع العسكري.

خلاصة الكلام: ليبيا باقية، وليست حالة دولية أو شعبية أو حضارية عابرة، لكي تقذفها الظروف والأزمات وتبعثرها العاديات… وهي باقية لأن فيها وعيٌ وشعبٌ واجه هذه الكارثة المستمرة منذ عشر سنوات، وبقي حيوياً متمسكاً بأرضه وهويته ووطنه وقيمه وأهدافه وآماله وأعماله، ومتفائلاً بإمكانية أن تزول الغمة، وأن يعود الوعيُ إلى الأمة على الرغم مما جنته وارتكبته من خطايا…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى