ليبيا ومعركة الاستقلال الثانية ضد المحتل التركي

يعيش الليبيون الشرفاء هذه الأيام ذكرى الاستقلال وجلائهم للمستعمر الإيطالي عن أرضهم، مستذكرين تلك الدماء الزكية التي خضبت تراب وطنهم، وتلك التضحيات الجسام من أجل رفعة وطنهم وعزته وكرامته وسيادته واستقلاله، ودفاعا عن شرفهم وأعراضهم ومقدراتهم. واليوم لا تزال هذه الذكرى تفعل مفاعيلها لدى المواطن الليبي الشريف، مستمدًّا من عبق الماضي الملاحم البطولية التي سطرها الأجداد، الذين قدموا أنفسهم ودماءهم وأموالهم رخيصة من أجل ليبيا مستقلة حرة أبية، ولكي يسلموها إلى أبنائهم وأحفادهم وطنًا شامخًا يرفض الذل والخنوع. ومن الظلم الكبير إجراء أي مقارنة في الوطنية بين أبطال ثورة الاستقلال الذين أرغموا المحتل الإيطالي على الجلاء عن أرض ليبيا، وبين أحفاد العملاء الذين يُطالبون ويعملون اليوم بعد تسع وستين سنة من عمر الاستقلال على إعادة احتلال ليبيا من قبل التركي، لكي يُتابعوا طريقهم في العمالة ضد الوطن وشعبه الأبي.

ومن المفارقة أن ثوار الاستقلال الأبطال كانوا يُحاربون بإرادة وطنية صادقة ومخلصة لانجاز الاستقلال الحقيقي للوطن، بينما أصحاب الفورة الغبية يُحاربون الوطن والدولة ويسعون لإنهاء عهد الاستقلال بإرادة الخيانة وقوة الدولار وتحت راية فتاوى شيوخ الفتنة المأجورين، وهم يسعون بكل ما لديهم من دهاء وخبث لتدمير الوطن والقضاء على الدولة في ليبيا تنفيذاً لأجندة استعمارية قديمة مجددة، لكن من الواجب تعرية هؤلاء الخونة الذين يلبسون رداء الوطنية، وكشف نياتهم الخبيثة وحماية ليبيا من شرورهم. وما دمنا نتحدث عن تحرير ليبيا واستقلالها، فلابد من فهم وإدراك ما يجري اليوم في هذه البلاد المباركة، فالعدوان الذي تتعرض له ليبيا منذ سنوات لا يستهدف الجغرافيا والتراب والإنسان فحسب بل يستهدف التاريخ القريب والبعيد والحاضر والمستقبل إضافة إلى تضحيات ومنجزات الآباء والأجداد، فعندما يقوم الإرهابيون بتدمير الحضارة والثقافة والتراث والإساءة إلى الرموز الوطنية ثم يعلو صراخهم مستنجدين بالأتراك من أجل الانقضاض على ليبيا واحتلالها، فهم لا يقيمون وزناً للاستقلال وليس لديهم الحد الأدنى من قيم الكرامة والحرية والسيادة التي يتشدقون بها، فماذا يبقى من “ثورتهم” المزعومة، عندما تصبح كل من إيطاليا المستعمرة وتركيا الطامعة والمعتدية حلفاء وأصدقاء…؟!

الملك محمد إدريس المهدي السنوسي يعلن استقلال ليبيا في الرابع والعشرين من كانون الأول /ديسيمبر 1951 من شرفة قصر المنار في بنغازي
الملك محمد إدريس المهدي السنوسي يعلن استقلال ليبيا في الرابع والعشرين من كانون الأول /ديسيمبر 1951 من شرفة قصر المنار في بنغازي

الآن: تخيلوا أنه بعد عقود من الزمن، يخرج علينا ليبيون ينتحلون صفة (حكومة شرعية بطرابلس) ليدعوا في القرن الحادي والعشرين إلى إعادة احتلال بلادهم من قبل الأتراك، وتدمير ليبيا مرة أخرى. تخيلوا أن هناك من يستقوي بالمحتل التركي ويريد إعادة العثمانيين إلى بلاد عمر المختار، تخيلوا أن هناك (حكومة شرعية بطرابلس) تكذب، وتنافق علينا باسم الديمقراطية، والحرية لتعيد لنا كوابيس الباب العالي، لكن بحلة جديدة اسمها (حكومة الوفاق الأخوانية!).

للأسف- لم يعد ذلك خيالاً بل هو واقع نعيشه على أرض ليبيا، ونسمعه، ونراه، ونقرؤه في بيانات (حكومة الوفاق) المرتهنة للخارج بعامة وتركيا بخاصة، وإخوانهم في الأحزاب الإسلامية المتطرفة في طرابلس، العدالة والبناء، والوطن، وجبهة الإنقاذ والتغيير، وفيالق القتلة والمجرمين الأخرى التي تمثل (المحتل) لإعادة احتلال أرض ليبيا، وتسخيرها في خدمته، ولذلك فإن الليبيين كل الليبيين الأحرار والشرفاء يناضلون اليوم، ويخوضون معركة الاستقلال الثانية ضد أشكال أكثر قذارة، ودونية، من أشكال الاستعمار القديم، وتتجلى هذه الأشكال بالمظاهر الآتية:

  1. المعارضات المرتهنة: وهي تلك المعارضات التي نبتت أمامنا طيلة سنوات من عمر حرب الاستقلال الثانية، عبر شاشات الفضائيات، ومواقع التواصل الاجتماعي، والمؤتمرات، والتصريحات، والانتقال من حضن عثماني، إلى أحضان أخرى حسب قيمة الشيكات، والتسهيلات التي تقدم في شكل فاضح للعمالة، والارتهان للخارج، والخطاب الأخواني المنخور، والشعارات الفارغة، حتى إن مشغليهم وصلوا لمرحلة القرف من انحطاطهم السياسي والأخلاقي. معارضات تصدر بيانات، وتصريحات تطالب فيها بقصف المدن الليبية، وفرض مناطق آمنة، وتأييد كل أشكال القتلة، والمجرمين، ودعم المليشيات وكل جهلة القرن الحادي والعشرين من أجل بناء ديمقراطية حديثة في ليبيا كما يدعون، وعبر تدمير أسس ومبادئ الاستقلال، والقرار الوطني المستقل. مثل هذه الكائنات المستوردة في الفكر، والجهالة، هي أخطر جسور للعبور السياسي إلى احتلال الأوطان، والشعوب مرة أخرى.
  2. التنظيمات التكفيرية الإرهابية: وهي الذراع العسكرية للمشروع السياسي الأخواني، فالتنظيمات والميليشيات الإرهابية ليست إلا أدوات تركية لتنفيذ الأطماع التركية المعلنة بالنفط الليبي ومحاولات نظام أردوغان الإخواني مد نفوذه في شمال أفريقيا من الخاصرة الليبية باستخدام عملاء له في طرابلس. إن محاربة هذه التنظيمات الإجرامية واجتثاثها من الأرض الليبية هو جزء أساسي من معركة الاستقلال الثانية التي يخوضها الشعب الليبي وجيشه الوطني، ذلك أن تدمير ركائز الإرهاب وقواه على الأرض هو قطع للذراع الاستعمارية الجديدة الخبيثة المرتبطة بالمشروع التركي.
  3. الفكر المتطرف والطائفي: إن الحرب العسكرية الأمنية ضد الإرهاب واستطالاته ستؤتي ثماراً آنية، ولكن المواجهة الفكرية والسياسية والإعلامية هي أكثر اتساعاً وشمولاً ولا بد منها ذلك أن هذا الفكر هو حالة سرطانية إن تركت فسوف تقضي على الجسم كله، ولا إمكانية للتعايش مع هذا الفكر المعادي للإنسانية وقيم البشر والأديان، فالفكر العنصري (الإخواني) المتلطي خلف شعارات دينية والمتحجز لقيم الدين الحنيف كرهينة بيده يجب مواجهته، وإسقاطه عبر ثورة ثقافية فكرية تؤكد مدنية الدولة التي تحترم عقائد وأديان مواطنيها وتنهي مسألة احتكار الدين لأغراض سياسية دنيئة، فتلعب على مشاعر البسطاء لتجندهم في حروب هم وقودها وحطبها ولكنها لا تجلب لهم سوى الدمار والتشرد والضياع. إن المعركة مع هؤلاء الهمج الذين بزوا همج هولاكو وهمج الحروب الوحشية كلها عبر التاريخ هي في أهم جوانبها معركة ثقافية فكرية، معركة هوية وانتماء وطني وقومي ومعركة ذاكرة ترعرعت الأجيال المتعاقبة عليها وتغذت من نسغها الطيب وتربت على طهر مبادئها وأهدافها الرفيعة… وهي معركة بين مشروعين، مشروع أخواني ظلامي يعمل على تدمير هوية الأمة ويسعى للقضاء على ذاكرة الوطن، وبين مشروع يتمسك بالهوية وأصالة الانتماء وألق الذاكرة كمنطلق للتحرر وصون الكرامة الوطنية والقومية ونبذ التراث المغشوش والتمسك بالإرث الحنيف والتراث الإسلامي المضيء.
الأزمة في ليبيا
تداعيات أزمة مذكرة السراج و أردوغان المشبوهة

إن أحد أهم أذرع مواجهة هذا النمط الجديد من الاستعمار، وتعزيز الجبهة في معركة الاستقلال الثانية، هو تعزيز الحوار الوطني الليبي الليبي، والمصالحات التي تخدم الهدف الإستراتيجي المتثمل بمواجهة الإرهاب الذراع العسكرية للمشروع الاستعماري التركي الجديد. فالحوار الذي يعزز القواسم المشتركة بين الليبيين وهي القواسم نفسها التي جمعت آباء الاستقلال الوطني الأول ضد الإيطاليين، ذلك أنه لا يمكن لليبي أن يختلف مع ليبي آخر حول الاستقلال الوطني ومحاربة الإرهاب، ورفض التدخل الخارجي والتطلع لدولة مدنية ديمقراطية قوية، وما عدا ذلك ليس إلا هرطقة سياسية تدل على العمالة والخيانة، إذ إنه ليس لدينا الآن ترف النقاش والسفسطة السياسية والتنظير بشعارات براقة لا ينتمي إليها دعاتها ولا يتمثلونها.

خلاصة الكلام: من المستحيل ومن غير الأخلاقي أن ننسى من ضحى من أجل ليبيا في أي حرب وفي أية أزمة وأي وقت، ولكن من الصعب أن نتذكر أسماء الأبطال والشهداء الذين سقطوا على طريق إنقاذ الوطن وتحريره وصنع فجر الاستقلال بهذه المناسبة، فذاك يخرج عن دائرة الإمكان في هذه العجالة… لكن لا يجوز أن نؤكد قيمة كل منهم وحقه على الوطن والشعب، فكل من قدم دمه وضحى وعانى قدم للوطن ومن أجل حرية المواطن ومعركة التحرير، ولا يجوز أن يقطف قادة وساسة ومتفيقهون ثمر النصر أو قيمة المجد ويُنسى من قدم روحه وراحته والغالي والنفيس ليصنع المجد والنصر… فذكرى الاستقلال في عز الأزمة التي تمر بها ليبيا، تزداد سطوعاً في ذاكرة الليبيين لرفدهم بمزيد من الثقة واليقين، أنهم قادرون على صنع استقلال جديد يقضي على عصابات عدوهم التاريخي الخارجي الذي قارعوه طويلاً وانتصروا عليه، وها هم اليوم محكومون بالانتصار في معركتهم الجديدة مع قوى الظلام والإرهاب والموت، وهي معركة واحدة وامتداد لمعركة الأمس ولاشيء أمامهم فيها سوى الانتصار مهما كانت التضحيات.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى