مؤتمرات واجتماعات… ليبيا ليست كرسي حكم!

الاجتماعات والمؤتمرات غير قادرة على مساعدة الشعب الليبي...

قبل أي مؤتمر أو اجتماع من أجل ليبيا ، يتم التعريف به بأنه فاشل قبل أن يبدأ… لم تعد هنالك آمال مصنوعة من حقائق بارزة يقدمها الأميركي، كل الآخرين كومبارس حوله، عنجهيته تبدو دائما في حالاتها الظاهرة للعيان. اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات، والحجة حل الأزمة الليبية، وضمان الاستقرار للشعب الليبي… كان آخرها جلسات الحوار بين وفدي المجلس الأعلى للدولة والبرلمان الليبي في مدينة بوزنيقة المغربية، هذه الجلسات تؤكد أن الحوار المستقبلي سوف يسير بالفعل على طريق مليء بالأشواك، وأن تنفيذه لن يكون سهلا ميسورا، وإنما ستعترضه مشاكل وصعاب عديدة قد تعرقل أو تبطئ خطواته وربما تنسفه من جذوره لو انتصرت التوقعات المتشائمة على الرؤى المتفائلة التي لا ترى خلاصا للأزمة الليبية إلا بإنجاز اتفاق شامل وتحويله من حبر على ورق إلى واقع ميداني على الأرض. وقبل استعراض تلك الصعاب ربما كان من المناسب الإشارة إلى عدة مؤتمرات واجتماعات عقدت في السابق لأجل إيجاد مخرج للأزمة الليبية، لكن قبل ذلك نتساءل مع الكثيرين:

لماذا كل هذه المؤتمرات والاجتماعات لحلحلة الأزمة في البلاد، إذا كان حالها: على الورق ناجحة وعلى الأرض كارثة؟ فمنذ عشر سنوات تقريباً، أي منذ غزو ليبيا وتدميرها دولةً وشعباً واقتصاداً من قبل دول “ناتو”، لم تتوقف المؤتمرات والاجتماعات، لكن معضلة ليبيا بقيت من دون حل… فقد جرت عدة محاولات لحل الأزمة في ليبيا، إذ شهدت مدينة الصخيرات المغربية في 17 كانون الأول 2015 توقيع اتفاق بين الأطراف الليبية نص على تشكيل “حكومة وحدة وطنية” غير أن الاتفاق لم يحظ بالإجماع، كما رعت تونس في أيلول وتشرين الأول 2017 مباحثات للحوار الليبي بهدف إجراء تعديلات على الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات بمشاركة ممثلين عن البرلمانيين ومجلس الدولة الذي عن نتج اتفاق الصخيرات، وأشرفت فرنسا على مؤتمر للحوار الليبي، وحينها اتفقت أطراف الأزمة المجتمعة في باريس على تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في أقرب وقت ممكن.

وحسب البيان السياسي الذي أعلن في باريس، تعهد المجتمعون بالعمل على إجراء انتخابات نزيهة وسلمية في أقرب وقت ممكن واحترام نتائجها، غير أن الخطة المدعومة من فرنسا لإجراء انتخابات تأجلت بعد رفض الولايات المتحدة وقوى أخرى لجدولها الزمني في مجلس الأمن. وقد استضافت مدينة باليرمو الإيطالية مؤتمراً دولياً بمشاركة أطراف ليبية من الداخل والخارج من أجل مناقشة خطة السلام على حد وصف المبعوث الأممي (المستقيل) إلى ليبيا غسان سلامة الذي طرح عقد مؤتمر وطني في الأسابيع الأولى من عام 2019 ثم البدء بالعملية الانتخابية في الربيع التالي، غير أن هذا المؤتمر مثل سابقيه من المؤتمرات لم ينجح في تحقيق المطلوب.

وبرغم أن العُقد المستعصية، معروف للجميع من يمسك بها، ومن يَعقدها، ومن يرفض حلحلتها، بل من يتمترس بها في سبيل تحصيل أكبر مكاسب، أو لنقل ـ بعبارة أوضح ـ أكبر نهب ممكن لخيرات ليبيا وثرواتها (ودائماً نستثني روسيا لأن دورها مختلف وجهدها واضح للجميع في محاولة تقريب وجهات نظر الأطراف الداخلية والخارجية بدليل مؤتمر برلين الذي عُقد 19 كانون الأول، وتوصل إلى بنود عُدت الأهم بين جميع المؤتمرات والاجتماعات التي سبق أن عقدت بخصوص ليبيا، لكن بقية المشاركين في المؤتمر، وعلى رأسهم النظام التركي، ضربوا بنتائج المؤتمر عرض الحائط، بل إن هذا الأخير ضاعف عدوانه على ليبيا مُرسلاً إليها المزيد من الجنود والمرتزقة والعتاد العسكري في سبيل تغيير موازين القوى لمصلحة الأداة الداخلية التي تمثله في الميدان، أي ما يُسمى “حكومة الوفاق” ومتزعمها فايز السراج.

أما اجتماع الفرقاء الليبيين ببوزنيقة قرب العاصمة المغربية الرباط، للحوار وتحقيق توافق يصل بليبيا إلى بر الأمان لإنهاء معاناة المواطن الليبي، وبعدما انفضت اجتماعات الحوار… بدأت تتكشف النيات المُبيتة، والأهداف الخبيثة من ورائها ومن وراء من يتعمّد كشف هذه النيات بحديثه عنها علناً، مُحرضاً ومُستفزاً، لطرف ليبي بعينه، وبما يُسقط مفاوضات المغرب وسويسرا قبل أن يَجف حبر بياناتها. فقد خرج جيفري فيلتمان ـ الغني عن التعريف ـ ليتحدث عن أهداف مفاوضات المغرب وسويسرا وبأنها “صُممت لاستبعاد قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر من المشهد السياسي”. وتحدث فيلتمان عن دول الجوار والإقليم وعن أطراف دولية معتبراً أن كل شيء في ليبيا يتوقف على مواقف الأطراف الخارجية.

في هذا الحديث رسالتان: الأولى للمشير حفتر توحي بأن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لم يكن يُمثل حفتر، أي الجيش الوطني الليبي، في مفاوضات المغرب، وأن وجوده هناك كان بمنزلة “بديل قادم” عن حفتر، وأن تقاسم المناصب كان يصب في مصلحة تدعيم هذا البديل… والهدف من هذه الرسالة زرع الخلافات بين الجيش الوطني الليبي ومجلس النواب وصولاً إلى صراعات تفجر الموقف بينهما وذلك على غرار ما يحدث في “حكومة الوفاق” التي يتزعمها فايز السراج. طبعاً هذا ليس هدية لعيون السراج وحكومته بقدر ما هو زيادة في تأزيم وتعميق الصراعات الداخلية فتبقى ليبيا نهباً لاقتتال لا ينتهي.

الرسالة الثانية هي لليبيين أنفسهم، بجميع أطرافهم، ومفادها أن الحل يبقى رهين الخارج، وما لم يتقاسم هذا الخارج المصالح والمطامع فإن أي مفاوضات أو اتفاق أو تفاهم لن يُكتب له الحياة، أي الوصول إلى نقطة “بدء التنفيذ”. وبالنظر إلى خريطة الأطماع الخارجية في ليبيا والصراعات بين أطرافها، فإن ليبيا لن تخرج من دائرة الاقتتال، إذ إنه ممنوع على طرف أن ينتصر، ممنوع الحسم، فهذا الحسم يقطع الطريق على الخارج… والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا صراع القوى الإقليمية والعالمية على ليبيا؟

ببساطة ليبيا تعد غنيمة مرغوبة، إذ لديها أكبر احتياطيات من النفط والغاز في أفريقيا، بينما لا يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، ومن الناحية الإستراتيجية تقع ليبيا في الجهة المقابلة لأوروبا ويمكن تصدير نفطها مباشرة إلى الأسواق في الغرب عبر البحر، كما تعد ليبيا ممراً رئيسياً للمهاجرين القادمين من أفريقيا للوصول إلى أوروبا عبر شواطئها الواسعة التي تمتد لنحو 2000 كم على البحر المتوسط. وموقع ليبيا في شمال أفريقيا، إذ يحدها من الشمال البحر المتوسط، ومصر شرقاً، والسودان في الجنوب الشرقي وتشاد والنيجر في الجنوب والجزائر وتونس في الغرب، جعل منها رابع دولة إفريقية في حجم المساحة ورقم 17 في المساحة عالمياً. وعلى مر التاريخ، يعد الساحل الليبي نقطة الجذب الأساسية للغزاة، فمنذ العصر البرونزي أقام فيه الفينيقيون مراكز تجارية، واهتم بها الحكام الفرس والمصريون والإغريق والإسبان والإيطاليون، كل هؤلاء كانوا يرون في الموقع الليبي الممتد برياً وبحرياً مركز تهديد لأمن شمال أفريقيا وجنوبها ولدول الساحل الأفريقي وجنوب أوروبا. ولدى ليبيا احتياطي نفطي بلغ 41 مليار برميل، وتملك سواحلها حتى الآن احتياطي غاز لا يقل عن 2 تريليون متر مكعب.

وتجدر الإشارة إلى أن النفط الليبي من النوع الجيد وتعتبر تكلفة البرميل الواحد أقل من دولار أمريكي، كما يسهل تصديره من منصات الجنوب والشمال بسهولة، فهو قريب من كبار المستهلكين في جنوب ووسط أوروبا، وهناك ثروات من نقد وذهب غير معلومة منذ زمن القذافي تقدر بأكثر من 350 مليار دولار على الأقل، يضاف إلى ذلك احتياطي الصندوق السيادي الليبي الذي يقدر بقرابة 90 مليار دولار ويمكن أن يتصاعد الرقم في حالة الاستقرار السياسي والأمني إذا بدأت عوائد النفط واستكشاف الغاز الجديد تدر مداخيلها.

وعبر فالأزمة الليبية ليست أزمة بمعناها الحقيقي بين الليبيين الذين بإمكانهم حل كل المشاكل، لكن تدخل القوى الخارجية جعل منها أزمة معقدة، وإذا ما أردنا أن نكون أكثر جرأة في التوصيف، علينا أن نرمي كل الأسئلة التقليدية المعتادة من نوعية الأسئلة السابق ذكرها وما شابهها، لأنها – في هذه المرحلة – أسئلة ساذجة، وإذا ما استمر البعض في طرحها فهذا يكون إما مقصوداً بهدف التعمية وحرف الأنظار عن الأسباب (الدول والأطراف) التي تقف وراء تحول ليبيا إلى معضلة غير قابلة للحل… وإما أن البعض مازال يرفض رؤية الأمور على حقيقتها… وإما عجزاً وخجلاً لأنه بحكم موقعه هو في الواجهة، وهو من يتعرض للمساءلة باعتباره المُكلف باسم المجتمع الدولي بالحل والربط ونقصد هنا الأمم المتحدة وبعثتها في ليبيا، وهي في موقع لا تحسد عليه، فالجميع يقول بتأييده لها ولجهودها وقراراتها، ولكنه قول من دون فعل. وعليه فإن الليبيين في كل تفاوض وفي كل مؤتمر يتراجعون خطوات للوراء، علماً أن أغلب المؤتمرات تكون ناجحة وتنتهي إلى تفاهمات وتوافقات، تماماً مثل مفاوضات المغرب وسويسرا… أما على أرض الواقع فإن الاقتتال يستمر والتدخل الخارجي يتعمق ويتوسع ويتخذ وضعاً عدوانياً احتلالياً كما هو في التدخل التركي.

إذن ما الحل…؟ لنفترض أن الحل – كما يتوارد لأذهان الجميع- هو أن تتفق الأطراف المتدخلة فيما بينها وتتقاسم النفوذ، فيتوقف الاقتتال حتى لو استمر حال ليبيا منقسماً بين فريقين، فالمهم هنا وقف إراقة الدماء، فقد يكون من شأنه تحقيق استقرار من نوع ما يُمكن البناء عليه… ولكن للأسف حتى هذا التوافق لا يبدو ممكناً، بفعل الطمع، فأي طرف لن يقبل بالتخلي عما في يديه من مكاسب، لمصلحة طرف ثانٍ… آخر ما يهم الأطراف المتدخلة استقرار ليبيا إلا إذا كان يخدم أطماعها، بدليل أنها لا تتحرك إلا عند الضرورة، أي عندما يهدد طرف مكاسب طرف آخر، عندها يتداعى الطرف المتضرر إلى عقد اجتماع أو مؤتمر… هذا هو الحال، هي اجتماعات ومؤتمرات من أجل أن تسوي الأطراف المتدخلة خلافاتها.

خلاصة الكلام: لا الاجتماعات ولا المؤتمرات قادرة على مساعدة الشعب الليبي وإرساء الاستقرار في ليبيا، وفي الوقت نفسه الحسم العسكري لأي طرف غير ممكن، أو غير مسموح، لا فرق… كل الأطراف المتدخلة في ليبيا تكاد تكون متساوية في أوراق الربح التي بين يديها، وعندما تجتمع تحت سقف مؤتمر أو اجتماع، تفرد هذه الأوراق، لتعيد جمعها ثانية، ولكن على اختلاف وافتراق وليس على تقارب واتفاق… فهل يستيقظ الليبيون ويدركون أن لا حل لمشاكلهم في الارتماء بحضن هذا العدو أو ذاك، وأن الحل يكمن في نبذ الخلافات والركون إلى الحوار، والتبرؤ من الأطراف الخارجية الطامعة بمقدراتهم والتي لا يهمها شيء سوى منافعها ومصالحها الذاتية…؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى