“ما بين الانفجار والتفجير.. بيروت في المرمى الأمريكي الإسرائيلي”

السؤال الجوهري يتمحور حول ما إذا كان مقرراً حدوث سيناريو مثل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، الذي اغتيل عام 2005

ما بين الانفجار والتفجير.. بيروت في المرمى الأمريكي الإسرائيلي
الدكتور حسن مرهج

بعد انقشاع غبار كارثة بيروت، تسارعت التحليلات المؤطرة ضمن فرضيات متعددة، بدأت بالخطأ البشري الذي أدى إلى الانفجار، ولم تنتهي بفرضيات العدوان الأمريكي والاسرائيلي، وما بين هذا وذاك، فإن كارثة بيروت وبصرف النظر عن الأسباب والمسببات، إلا أنها تبقى كارثة يُراد منها بشكل مباشر وغير مباشر، إدخال لبنان في سياق الفوضى من جهة، ومن جهة ثانية تعميق حصار حزب الله خارجياً وبمنعكسات داخلية، على اعتبار أن الحزب يمتلك أسلحة ضمن أبنية المرفأ، الأمر الذي نفاه السيد حسن نصرالله جملة وتفصيلاً.

في ذات الإطار، لن يُسعفنا هذا المقال لوضع كل النظريات والسيناريوهات لجهة كارثة بيروت أمام القارئ، لكن وضمن القراءة المبدئية لهذه الكارثة، يمكننا القول بأن سلسلة الأحداث التي سبقت الكارثة، يمكننا أن نضعها ضمن إطار التجاذبات السياسية الداخلية، عطفاً على التدخلات الخارجية والتي تسعى لتهيئة الأرضية المناسبة، لاستقدام تدخل خارجي وفرض وصاية جديدة على لبنان، ما يعني أن حالة عدم الاستقرار التي شهدها لبنان قبل كارثة المرفأ، كان ترتكز على أبجديات التحضير على انعدام الأمن وخلق فراغ سياسي في هذا البلد، وفي جُزئية أُخرى، فإن حركة الاحتجاجات التي شهدها لبنان، هُندست بطريقة تعتمد على إحراج حزب الله وتحديداً في مناطق شعبيته، ليكون أمام الحزب في غمرة الاحتجاجات، إما الانضمام إلى المتظاهرين وتبني شعار لبنان غير آمن وفق سيناريو الاحتجاجات، وإما أنه سيقف ضد المتظاهرين ما يعني تعميق الشرخ السياسي في لبنان، وصولاً إلى مرحلة الانفجار الداخلي، لكن حكمة الحزب وبعد نظره الاستراتيجي، تمكن من الخروج منتصراً على ما حيّك له ليكون فخاً داخلياً.

إن إلقاء نظرة على بعض الأحداث اللبنانية المهمة في الأيام الأخيرة، يمكن أن يُشكل علامات تحذيرية للتدخل الأجنبي المخطط له مسبقاً، لإدخال لبنان مجدداً في سيناريو جديد هدفه الرئيسي هو تأمين محيط اسرائيل، والقضاء على قوة الردع للمقاومة والتعويض عن الهزيمة في سوريا. وبعض هذه العلامات لها قاسم مشترك مع الأحداث التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق “رفيق الحريري” عام 2005.

في المقلب الأخر، فإن بُعيد الكارثة قامت وسائل الإعلام العربية والأمريكية بتوجيه أصابع الاتهام إلى حزب الله في اللحظة الأولى، وحتى قبل أن يهدأ غبار ورماد انفجار بيروت، ولكن لا بد من القول إن هذا يشير إلى إمكانية التخريب أيضًا.

السؤال الجوهري يتمحور حول ما إذا كان مقرراً حدوث سيناريو مثل اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، الذي اغتيل عام 2005 والذي مهد اغتياله الطريق لخروج الجيش السوري من لبنان، سؤالٌ سيتم الرد عليه في الأيام القليلة القادمة من خلال السلوك الأمريكي.

بطبيعة الحال، إن نطاق هذا السيناريو الجديد أوسع وأعمق وأكثر خطورةً. وحتى لو قبلنا أن الإسرائيليين والولايات المتحدة لم يتدخلوا في انفجار بيروت ولا توجد إمكانية للتخريب، فإنهم بالتأكيد لن يتجاهلوا هذا الانفجار للاستغلال السياسي ولتمهيد الطريق لتشكيل جديد للهيكل السياسي اللبناني.

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان، لم تأتي إطلاقاً لتقديم الدعم، بل جاءت في إطار ممارسة الضغط على الرئيس ميشيل عون وحكومة حسان دياب، يضاف إلى ذلك وفي وقت سابق تدخلات السفيرة الأمريكية من حين لآخر في شؤون لبنان الداخلية، إضافة إلى والتحركات الإسرائيلية على الحدود، والدوريات التي قامت بها طائرات تجسس أمريكية فوق الساحل اللبناني-السوري قبل يوم واحد من انفجار بيروت، واجتماع الأسبوع الماضي بين رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية ونظيره الإسرائيلي، والاستقالة المفاجئة لـ “ناصيف حتي” وزير الخارجية اللبناني، والضغوط الخارجية والإقليمية للإطاحة بالحكومة اللبنانية، وتحديد المناطق المعرضة للخطر في لبنان من قبل الطائرات الإسرائيلية بدون طيار، هي من بين أهم الأحداث التي شهدها لبنان في الأسابيع الأخيرة، وهو ما يجب ملاحظته في العنصر الزماني والمكاني لانفجار بيروت وتداعياته.

هنا وبصرف النظر عن تخزين نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، لكن سلسلة الأحداث السابقة، تضعنا أن أمام مشهد خُطط له بدقة أمريكية اسرائيلية، ما يعني أن الانفجار سيكون بمثابة تسونامي سيأخذ مسار التطورات إلى بوتقة الأهداف الأمريكية والاسرائيلية، والتي تصب مباشرة في كيفية تحجيم دور وقوة وتأثير المقاومة.

ولذلك، يبدو أن كل أجزاء اللغز أعدَّت لوضع لبنان في حالة من الاضطراب الاقتصادي والسياسي، من أجل تصميم سيناريو جديد، لتكون النتيجة تفجير مُخطط له بدقة، ليبدو انفجار تُغطي سُحبه المقيتة الأيادي الأمريكية والإسرائيلية، لكن وضمن مسار التحقيقات الذي تتخذه الحكومة اللبنانية، سيتم الكشف عاجلاً عن كل المتورطين في كارثة أدمت قلوبنا، لكننا سننهض من جديد أقوياء بقوة لبنان.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى