ما لا تعرفونه عن الحريات الدينية في ايران؟!

تمييع وتضييع الوجه الحقيقي لايران، بات الشغل الشاغل للماكينات الاعلامية الغربية والعربية، ففي غياهب “التسلح النووي” و”الاقليات” وغيرها من مفردات و”جوقات اعلامية” ما انزل الله بها من سلطان، يخيَّل للبعض ان ايران بما فيها وكل ما فيها ليست سوى صورة طبق الاصل. لكن خيال الاعلام وفبركاته يجافيا الواقع، واقع اثبتت فيه ايران على مدى 37 عاما منذ انتصار الثورة الاسلامية ان صورتها النقية ساطعة، وشمس حضارتها لا تحجبها غيوم حملات عابرة غايتها تشويه الصورة واختزالها، بهدف إخفاء التنوع الثقافي والحضاري في هذا البلد، والذي تجلى ويتجلى بالقيم والمثل العليا التي تنتهجها القيادة الايرانية الحكيمة، سواء من خلال التعايش الاسلامي المسيحي النموذجي في زمن التكفير والاقصاء، أو حرية ممارسة الاقليات لشعائرها الدينية، أو من خلال عاصمتها طهران التي كانت وما تزال ملتقى الحوارات بين الاديان والمذاهب، أو لجهة دعم المستضعفين في العالم ضد الجور والظلم والمستمد من مبادئ الثورة التي حاربت ظلم الشاه ومن خلفه قوى الاستعمار والاستكبار، والمتجسد اليوم بمساندة ايران للمقاومة في لبنان وفلسطين ضد العدوان والاحتلال الصهيوني، او مساندة دول المنطقة ضد الارهاب التكفيري.

الحريات الدينية واحترام الاديان

احترام المذاهب والديانات الاخرى ومعتقدات الاقليات في ايران من المقدسات والمسلمات الوطنية، التي لا غبار عليها، واندماج اتباع هذه الديانات في المجتمع الايراني كامل لناحية ممارسة كافة حرياتهم وحقوقهم المدنية والسياسية بلا تمييز أو انتقاص يجعلهم موضع غبن او تخوّف على وجودهم كما الحال في دول أخرى. ضمان هذه الحريات والحقوق، والحفاظ على خصوصيات الاقليات، ليس بالامر المستحدث في ايران، ولا هو منّة من أحد، ولا هم “اهل ذمة” في هذا البلد، بل هو مكرّس دستوريا وبشكل عصري وصريح، في طيات نصوص الدستور الايراني ما بعد الثورة، ولا يزال مطبقا حتى اليوم، بما يحويه من مواد خصصت للحديث عن الحريات، تتماثل الى حد بعيد مع دساتير الدول الغربية وشرع حقوق الانسان الدولية، ومنها حرية المعتقد (المادة 23)، حرية الصحافة (المادة 24)، حرية التعبير (المادة 175)، حرية العمل (المادة 28)، حرية التجمع والعمل السياسي وتشكيل الأحزاب (المادتان 26 و27)، حق المساواة والتكافؤ في الفرص بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللغة (المادة 19).

الحماية الدستورية والاعتراف الصريح بالاقليات الدينية، ورد بشكل واضح في المادة 13 من الدستور الايراني التي نصت على ان “الايرانيين الزرادشتيين واليهود والمسيحيين هم الاقليات الدينية الوحيدة المعترف بها التي لها الحرية في ممارسة شعائرها الدينية، فيما يتعلق بالوضع الشخصي القانوني والتعليم…”. كما خص هذا الدستور تلك الاقليات بخمسة مقاعد برلمانية اثنان للارمن، وواحد للآشوريين والكلدانيين، وواحد لليهود وآخر للزرادشتيين، ليذهب أبعد من ذلك ايضا فينص في المادة 67 منه على أن نواب الأقليات الدينية يؤدون اليمين الدستورية، مع ذكر كتابهم السماوي الخاص بهم.

ميزة هذه الحريات الدينية المنصوص عنها في الدستور الايراني انها تضمن التنوع والحفاظ على مكونات المجتمع الإيراني، الذي بينت آخر احصائية سكانية رسمية ايرانية صادرة عن مركز الاحصاءات الايراني عام 2011، انه يتكون على الاساس الديني كالتالي: المسلمون:74682938، المسيحيون:117704، الزرادشتيون:25271، اليهود:8756، بقية الاديان مثل الصائبة49101 . هذا التنوع في التركيبة الديموغرافية يعتبر مصدر غنى لايران، على أكثر من صعيد، لا سيما في ظل اندماج الاقليات الدينية الكامل في المجتمع الايراني ومؤسسات الدولة، ما دفع كثيرين ممن زاروا ايران للذهول حيال هذا التعايش والتكامل في النسيج الاجتماعي داخل ايران، وللتنويه بهذه الميزة الايرانية المتمثلة بالحفاظ على التركيبة الدينية المتنوعة للمجتمع، باعتبارها نقطة قوة لصالح النظام الاسلامي في ايران، لا نظير لها في دول عربية وخليجية مجاورة.

الكل في ايران سواسية ويتمتعون بحق المواطنة، بلا تمييز. للمسيحيين داخل هذا البلد مكانتهم الخاصة وحضورهم يتجلى في شتى الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والقيادة الايرانية سعت جاهدة على مدى سنوات طوال للحفاظ على هذا التواجد وصيانته، والى اشراكهم في السلطة والقرار، وهم قدموا بالمقابل للوطن الكثير وقدموا شهداء في الحرب المفروضة على ايران، في انموذج راق يحتذى لقتال المسلم والمسيحي جنبًا الى جنب دفاعًا عن العرض والوطن، ولم تكن زيارة الامام الخامنئي الاخيرة (والتي سبقها زيارات مماثلة) في عيد الميلاد الذي مضى لعائلة شهيد مسيحي سوى أنموذج جلي لمدى الاحترام الذي تكنه القيادة الايرانية للمسيحيين ليس في ايران فحسب بل في العالم كله، ولعل ذلك ما جعل الرئيس الايراني حسن روحاني يضع زيارة الفاتيكان ولقاء البابا على رأس اولويات زيارته الاوروبية مؤخرًا.

مظاهر الحرية الدينية، تبرز على لسان زائري طهران، ومنهم رجال دين مسلمون ومسيحيون واعلاميون، فيتحدثون عن نموذج التكامل والتآلف الديني في ايران، وكيف أنهم شاهدوا بأم العين في عيد الميلاد ايرانيين مسلمين يشاركون اخوتهم المسيحيين الاحتفال في مناسباتهم الدينية، ويتصورون قرب شجرة الميلاد، كما يتحدثون بوقار عن عشرات الكنائس في هذا البلد( 24 كنيسة جنوب ايران وحدها منها كنيسة “فانك” في منطقة “جلفا” بمدينة اصفهان والتي تعتبر من اجمل الكنائس في ايران)، وكذلك عن تمثيل المسيحيين في البرلمان الايراني بعدد من النواب، ومشاركة أبناء هذه الاقليات الدينية في ادارات الدولة ووظائفها بفعالية تامة. أما تركيبة المسيحيين في ايران، فهي كباقي دول العالم، وهم يتوزعون الى عدة طوائف ولكل منهم كامل الحرية بممارسة ديانته:

1 – الأرمن

يتوزع الأرمن الإيرانيون، جغرافيا على ثلاث مناطق هي أصفهان وأذربيجان وطهران، ولديهم حزب سياسي (الطاشناق)، ويمثلهم عضوان في مجلس الشورى الإسلامي الايراني، وهم يعملون بشكل اساسي في الصناعة والتجارة، من بينهم تجار أغنياء. يمارس الارمن طقوسهم وتقاليدهم الدينية بحرية، ومرجعيتهم هي المطرانية في ايران، ولديهم عشرات الكنائس، معظمها مسجل في فهرس الآثار الإيراني الوطني، ولهم مدارسهم (50 مدرسة ليس للمسلمين الحق بدخولها اما الطلبة الارمن فلا مانع من تسجيلهم في مدارس المسلمين)، التي يدرس فيها تاريخ ارمينيا ولغتها، ولهم عطلاتهم الرسمية، ويمنحون أيام الآحاد اذنا خاصا لثلاث ساعات لحضور القداس. كما لهم نواديهم الرياضية، وجمعياتهم ومراكزهم الثقافية (19 جمعية).

2- الأشوريون

يتواجد الاشوريون في إيران بشكل رئيس في العاصمة طهران، وفي أرومية غرب ايران، والتي تعتبر مركز الثقل للديانة المسيحية، ولديهم عدد من الكنائس (حوالي 59 كنيسة في مدينة اروميا فقط، و6 في طهران)، ويمارسون نشاطهم السياسي في البلاد، ولهم ممثل خاص بهم في مجلس الشورى الإسلامي، فضلا عن مراكز ثقافية واجتماعية (20) وجمعيات (12) واتحادات مثل اتحاد الطلبة الجامعيين الآشوريين واتحاد الشبيبة الآشورية، ومدارس اهمها مدرسة مريم للبنات، ومدرسة بهنام للبنين.

3- الكلدان

يتواجد الآشوريون الكلدان بشكل اساس في أورميا وسلماس، وطهران، وهم لديهم 8 كهنة، اثنان من أصل إيراني و3 أتوا من العراق، و2 من فرنسا وواحد ينتمي إلى كنيسة سيرو مالنكار في الهند.

4- الكاثوليك

لديهم عدد من الكنائس تتوزع بحسب تنوعهم ( ثمان كنائس للارمن الكاثوليك، ثمان كنائس للاشوريين الكلدانيين، 9 كنائس للكاثوليك اللاتين)، كما لديهم جمعيات خاصة وهم يديرون عددا من المدارس من بينها ثلاث مدارس تعلم فيها التعاليم الكاثوليكية.

5- الإنجيليون

هناك سبع كنائس انجيلية في مقاطعة رزايه (Rezaiyeh) وحولها، في شمال غربي ايران.

6- الأرثوذكس

يوجد في ايران كنيستان ارثوذكسيتان، الكنيسة الارثوذكسية الروسية، والارثوذكسية اليونانية، والكنيستان يعود تاريخهما الى بداية هجرة الروس واليونانيين الى ايران، ولا تزال الكنيستان قائمتين تمارسان نشاطاتهما الدينية حتى اليوم.

لم يراع نظام الجمهورية الاسلامية في ايران فقط حرية الاعتقاد والتعبد وبناء الكنائس، بل اتاح للمسيحيين الإيرانيين ان يكون لهم احوال شخصية خاصة بهم، من هنا فان القرار الفعلي في أمور الزواج والطلاق والإرث هو بيد الكنيسة المسيحية باختلاف طوائفها، كما انهم يملكون محاكم دينية تهتم بأمورهم.

هذا غيض من فيض الحريات الدينية في ايران، والتي تطبق بالافعال وليس بالاقوال، والادلة الماثلة على ذلك اكثر من ان تحصى، فالنظام الاسلامي في ايران لم يحفظ خصوصية الاديان الاخرى فحسب (مسيحية، يهودية، زرادشت..)، بل حفظ اوضاع وخصوصية اصحاب المذاهب الاسلامية الاخرى، والذين يمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية واريحية، ولهم ايضا احوال شخصية ومدنية خاصة بهم، ولهم تعاليمهم، ومدارسهم الدينية الخاصة حسب دياناتهم. ومن هؤلاء أهل السنة والجماعة، الذين يمارسون عبادتهم الدينية حسب فقههم (المذهب الحنفي، والشافعي..) بكل حرية في ايران ولديهم أكثر من 15000 مسجد منها 9 في العاصمة طهران، أكبر مسجد في ايران موجود في مناطق السنة، وفق ما يؤكد الناطق الرسمي لمجلس علماء فلسطين في لبنان الشيخ محمد الموعد، الذي زار ايران مؤخرا يشير الى انهم يتبعون مدارسهم الدينية وشؤون احوالهم الشخصية الخاصة (كالزواج والطلاق وغيره..) بحسب فقههم، ولهم مفتون في مناطقهم، ويتقاضون امام محاكمهم الشرعية الخاصة التي تتمتع باستقلالية كاملة في مناطقهم.. ولهم حقوق كاملة بوظائف الدولة والتمثيل على المستوى الحكومي، والنيابي، ولديهم ممثلون في مجلس الخبراء الذي يختار القائد وفي جميع المجالس الاخرى، وأبعد من ذلك ليس هناك فقط نواب يمثلون المحافظات التي يتواجدون فيها، بل هناك نواب من أهل السنة ببعض المحافظات يمثلون المسلمين (سنة وشيعة ..) وهناك سفراء ودبلوماسيون ومحافظون للمدن الايرانية من أهل السنة.

أكثر ما يلفت الشيخ الموعد، في حديثه لموقع “العهد الاخباري”، أن المعاهد الشرعية السنية موجودة في ايران بالمئات، وانها مدعومة مباشرة من قبل القائد، ولها ميزانية خاصة من الدولة، ما يدفعه للاشارة الى ان ذلك يبرز مدى اهتمام الجمهورية بكل ابناء الدولة، واصفا هذا الامر بأنه بمنتهى الحضارة والتقدم الفكري، ان يتم تشجيع العلم واعطاء رواتب لطلاب العلم في المعاهد الشرعية السنية لاستكمال دراستهم المجانية بالكامل، ودراسة المذهب السني”.

 الشيخ الموعد الذي يتحدث عن الجامعات الكبرى في ايران كجامعة الحديث وجامعة المصطفى التي تدرس المذهب السني، يشير الى ان عدد الطلبة الذين يدرسون فيها مهول، كما أن هناك قسمًا خاصًا بالمكتبة يحوي الاف الكتب السنية، ما يؤكد على مدى حرية الاعتقاد والبحث، فضلا عن ان عدد الذين تخرجوا من جامعة المصطفى وحدها يزيد عن 7000 طالب وهم درسوا على مذاهبهم (حنفي، شافعي..)، ليخلص الى ان كل ذلك يعتبر بمثابة تكريس للوحدة بكل معانيها. وان الحرية الدينية الموجودة في ايران ملموسة وليس دعاية وهي تعطي الناس كامل حقوقها، بينما هناك اشاعات تطمس هذه الحقائق.

ما تقدّم، ليس سوى نموذج او عينة بسيطة عن نظم الحريات في الجمهورية الاسلامية الايرانية، عينة ضيّعها الاعلام في غياهب السياسات الظلامية وتقاطعات المصالح الدنيئة، وانجر الرأي العام خلف فبركاتها واضاليلها واحابيلها، لكن “زبد” الاعلام سرعان ما يذهب جفاءً امام الحقائق والوقائع، التي استعرضناها ونستعرض غدا نموذجا آخر منها، يتمحور حول دور المرأة ومشاركتها في الحياة السياسية في ايران.

علي عوباني

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى