متى يترجل ممارس العمل السياسي في منطقتنا؟

التجاوزات المدمرة.

انتشرت في سنوات ما بعد الثورة في تونس ظاهرة كره السياسة و السياسيين على اختلاف مشاربهم الفكرية، وانجازاتهم ومواقعهم في السلطة سواء كانوا في الصفوف الدنيا منها أو العليا ، ولعل احد الأسباب كما صرح الكثيرون عبر وسائل الإعلام أو في الاجتماعات العامة أو الندوات و اللقاءات المختصة هي عدم تحسن الوضع الاجتماعي. حتى انك إذا طلبت من أحد ما الانخراط بحزب أو دعم شخصية أو المشاركة في العمل السياسي سيجيبك في ما معناه ” انها أقرب الى سم حلو الطعم ، أو إلى ضوء يخفي حرارة الجحيم” ، وأنه بالتالي غير مستعد لانفاق حياته عبثا … وعليه نجد بين الناس شبه اتفاق ضمني على الطبيعة الخطرة لهذا النوع بالتحديد من مجمل مجالات الممارسة. فهو مجال يتميز بالاخفاء، والمجازفة واللين والعنف والسهولة والشقاء والأناقة والسخف والوضاعة والرحمة والترف و النفقة والبذل والتضحية … وغيرها. ميزات ان لم يوجد أغلبها في شخصية بذاتها فيوجد كثير منها في شخصية أخرى دون اعتبار للدرجة التي تتموضع فيها .

وفي نفس الوقت هنكاك ثمن ما يدفع ولكن في نهاية المطاف غالبا، أو وسط الطريق .. وايضا غير محدد الطبيعة ، يعني مثلا وقت، عائلة، مال، كرامة، حرية، حياة، وطن أو ما يعادل احد هذه الاشياء… صحيح هناك في الجانب الاخر ارباح، أو ما يمكن التعبير عنه بالمكاسب الشخصية للسياسي …. مثل الشهرة التحكم في الناس البطولات الصداقات والمعارف التبجيل، أموال، حصانة… خلود تاريخي… ولكنها دوما لا يمكن حسابها بالالة الحاسبة ، أو تحويلها إلى عملة نافذة… ليبقى في الاخير كل واحد يقيم أرباحه بحسب معاييره…

تخيرنا هذا التقديم وبهذا الشكل عن غيره من الاشكال الأخرى، ليصل تحليلنا في واقع الأمر إلى أعمق نقطة في نفس السياسي… ونحن نعترف من البداية اننا ” نحلل” ( من حلال) له أي ( الممارس) النزول من مقام السياسة إلى اللا سياسة العملية..

لقد كان العنوان في الأصل ” هل يمكن النزول من السياسة” . هذا السؤال يؤدي بقارئه الى تصور أن النزول من ذلك المقام إلى مقام آخر أمر مستحيل. أو على الأقل شديد الصعوبة وما نستند عليه من دعم لهذا الرأي هو الواقع المعيش،. وما حفل بهما التاريخان المعاصر والقديم . فجميع الحكام في بلداننا مثلا لم يغادروا عروشهم الا بسبب الموت، أو الاغتيال أو الانقلاب أو الثورة… أو الفضيحة ومع ان هذه الأخيرة عامل جبار لنسف المخالف المفضوح في الواقع الشعبي حتى ينتهي به الأمر إلى الانتحار أو الاحتقار أو المقاطعة… فهي ضعيفة التأثير على السياسي الممارس حتى انها لا تكاد تربك صوته أو ملامحه احيانا ، اي على عكس ” الشعب الكريم ” وهي العبارة الفخمة للسياسي عند مراودته الشعب عن نفسه . هذا الشعب ، الذي هو مادة أو موضوع عمل السياسي… ان الفضيحة ليست خطرا بالنسبة له، ولا يمكن أن تشكل تهديدا. هل هناك من سياسي انتحر لانه سرق أو كذب أو مارس الزنا و الاغتصاب أو استدان مالا ولم يعده لصاحبه … فهي في ذهنه مسائل عادية أقرب لشرب قهوة الصباح أو عدم رد السلام على عابر في الطريق … منها إلى مشكلة تخطف تركيزه لبعض الوقت…

  • دوافع ممارسة السياسة

ها نحن نقف على اهم سمة تميز السياسي عن أفراد “الشعب الكريم” وها نحن ننتبه ايضا إلى نقطة مهمة في ملمح السياسة اي السمية الحلوة أو الاضاءة الحارقة… فما الذي يدفع بهذا الصنف من الناس لممارستها إذا، مع المعرفة السابقة بطبيعة المجال من ناحية، وشكل النهاية من ناحية أخرى ؟

لنقف لحظة أمام المدخل الرئيسي للسياسة ونطرح السؤال بشيء من عناد الصحفي : لماذا تريد ممارسة السياسة؟

لان لي برنامج أرغب في تحقيقه. لأن الآخرين خيبوا ضني. لأني أشعر ان لي إمكانيات السياسي. لأن من حقي ممارسة السياسة. لأني أرغب ان يتحسن وضع البلاد. لأن الآخرين ليسوا أفضل مني. لأن هذا الشعب يحتاج من يقوده. لاني لا أثق في احد. لاني اطمح في استغلال معارفي وامكانياتي…. وكم لا ينتهي من الاجابات. ولكن ما يمكن أن يجمع بينها كلها هو “الجرءة ” والحماسة على الدخول في ” دائرة الخطر” المؤجل … أو ما عبرنا عنه أعلاه بلحظة دفع الثمن. إذا ما يزيد في التشجيع كعامل خارجي هو أن الدفع مؤجل في كل الأحوال بل وليس محددا بتوقيت معين يمكن الوقوف فيه للخلاص . هناك سبب آخر خفي ربما لا ينتبه اليه الممارس للسياسة أو من يتجه للدخول إليها في لحظات عمله الأولى أو قبلها بقليل، وهو الفضاء الناعم حوله. الذي لا يعارضه ولا ينقده ولا ينصحه بل وينفخ في صورته ويضخم ما يطرحه من أفكار… ان هذا الدافع يحمل من البداية مثلثا من العناصر المساهمة أولها ان السياسي نفسه يجد نفسه أمام تكذيب نفسه ومن يشجعه فإذا هو خائف وضعيف أو يتعالى ويكابر في أصل ويحاول ان يكون في المستوى.ثانيها ان المشجع هو يبحث عن ترتيب لنفسه خلف من يشجع وعليه سيبذل تضحية وهذه التضحية يجب أن تتحول في وقت لاحق إلى مكاسب بشكل ما .اذ لا سياسي يصعد بامكاناته الفردية فقط…. ولا داعم يقدم خدماته مجانا هذه الدوافع الخفية أو المسكوت عنها أو الأكثر عمقا في نفس السياسي هي في الواقع ما تحدد عنف السياسي وحجم اخطائه وتجاوزاته من البداية ثم مدى تعلقه بمنصبه الذي هو فيه وتمسكه به و مواصلة العمل في مشاريعه واصلاحاته التي لا تنته.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى