مجموعات طرابلس المسلحة ترمي أوراقها!

عبد الكافي الصمد –

شكل إعلان سعد المصري أحد أبرز قادة المجموعات المسلحة في منطقة باب النبانة والمُقرّب من رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، اعتزاله العمل السياسي، مفاجأة غير منتظرة لكثيرين، لكنها كانت متوقعة من بعض المتابعين لتطورات الأوضاع في طرابلس.

تعدّدت التعليقات والتساؤلات عن أسباب خطوة المصري، وما إذا كانت نتيجة خلاف مع ميقاتي أم حصلت بناء على طلب منه؟ وهل ابتعاد المصري مقدمة لابتعاد أمثاله عن واجهة الأحداث في طرابلس، ممّن يحمّلهم أهل المدينة مسؤولية التوترات الأمنية والتسيّب والفوضى فيها؟ وصولاً إلى أسئلة طرحها البعض باستغراب: «وهل كان المصري يشتغل سياسة حتى يعلن اعتزاله لها؟».

بعد انتهاء جولة الاشتباكات الأخيرة بين منطقتي باب التبّانة وجبل محسن، وهي الـ15 منذ أحداث أيّار 2008، مطلع شهر كانون الثاني الماضي، وقبل وبعد استقالة ميقاتي في 22 آذار الفائت، شهدت طرابلس انفلاتاً أمنياً واتساع رقعة فرض الخوّات وسرقات وتعدّيات وفوضى بناء وانتشار بسطات، دفعت فعاليات المجتمع المدني للنزول إلى الشارع والقول بصوت عال كفى لكل هذه الممارسات التي تشوّه صورة المدينة وتشلّها على كل الصعد.

أصداء هذا الاستياء كانت تصل تباعاً إلى سياسيي المدينة ونوّابها وزرائها، وكذلك قادة الأمن فيها. واستشعر هؤلاء أن الأرض توشك أن تفلت منهم وأن الطرابلسيين بدأوا ينقلبون عليهم، سواء أمنياً أو سياسياً وانتخابيا، لأن أغلب هذه المجموعات المسلحة محسوبة على هذا الطرف أو ذاك الذي يدعمها ويموّلها، وأن السياسيين والأمنيين هم من يتحمل تبعات ما وصلت إليه طرابلس من تدهور أمني.

استدعى ذلك من سياسيي طرابلس عقدهم اجتماعاً عاجلاً في منزل النائب محمد كبارة في 25 نيسان الماضي، جرى فيه نقاش ساخن وصل إلى حدّ تبادل الاتهامات بين الحاضرين، إلى حدّ أن أصواتاً ارتفعت داخل الاجتماع رأت أنه «عندما يضبّ كل طرف زعرانه من الشارع، تنتهي كل مشاكل طرابلس!».

استتبع ذلك باجتماع ثان عقد بعد أسبوعين في السرايا الحكومية برئاسة ميقاتي، وكان موسعاً نظراً لحضور محافظ الشمال (الذي سيعقد اجتماعاً لمجلس الأمن الفرعي في الشمال بعد غد الإثنين) وكبار القادة الأمنيين فيه إلى جانب النواب والوزراء؛ وما أعطاه أهمية لافتة أنه اجتماع لم يحصل طيلة سنوات التوتر الماضية في طرابلس، ما دل إلى أن الاتجاه يميل نحو وضع حدّ لكل مظاهر التفلت الأمني في المدينة، ورفع الغطاء عن كل المتسبّبين فيه، وهو ما أكده ميقاتي عندما قال إن «القوى العسكرية والأمنية لن تتساهل في فرض الأمن على جميع المخلين به».

ويبدو أن ميقاتي أراد أن يكون أول المبادرين إلى اتخاذ خطوة في هذا الإطار، فسارع إلى القيام بإجراءات بحقّ المحسوبين عليه، وعلى رأسهم سعد المصري، تمثلت في إبلاغهم أن «لا غطاء سياسياً فوقهم بعد اليوم إذا قاموا بأي عمل مخالف». كما خفض إلى حدّ كبير المخصصات المالية التي كان يقدمها لهم تحت عنوان «مساعدات اجتماعية».

قرار ميقاتي وضع الآخرين في موقف حرج في حال لم يبادروا إلى القيام بمثله، وهو لا يبدو قلقاً من احتمال أن يرتدّ عليه سلباً لجهة انقلاب من كان يموّلهم عليه، أو محاولة خصومه في طرابلس استمالتهم إلى جانبهم، لأن خطوة ميقاتي وُصفت بأنها «عملية مضبوطة». ويمكن تلمّس ذلك في بيان المصري الذي أكد فيه أنه «اعتزلنا العمل السياسي مع جميع السياسيين، وسوف نكرّس أنفسنا لمساعدة الفقراء والمحتاجين». في موازاة تأكيده أن ميقاتي «سوف يبقى الأب الحنون لدى آل المصري».

بعض المراقبين الذين وصفوا ما قام به المصري بأنه «خطوة منطقية»، ردّوا ذلك إلى سببين: الأول، رفع الحرج عن ميقاتي نظراً لقربه منه، والثاني، لحماية نفسه ومجموعته كي لا يكونوا كبش محرقة عندما يعطى الضوء الأخضر للجيش اللبناني والقوى الأمنية من أجل اجتثاث كل المظاهر الأمنية غير المقبولة في طرابلس.

قراءة هؤلاء المراقبين يزيد عليها ما استنتجه إسلاميون في طرابلس، رأوا أن تقهقر المعارضة السّورية أمام الجيش السوري في المناطق القريبة من لبنان، دفع أغلب المجموعات المسلحة في طرابلس إلى مراجعة حساباتها ومواقفها، وتجنيب طرابلس حمّام دم جديداً، مستدلين على ذلك بأن «الأنباء عن سقوط شبّان طرابلسيين قتلى في معارك القصير، لم تحرّك الشارع في المدينة اضطرابات وتظاهرات كما كان يحصل سابقاً».

ما توصّل إليه بعض الإسلاميين من استنتاجات دفعهم للتوضيح أنه «حتى بعض المجموعات المسلحة المحسوبة على الإسلاميين، بدأت بإجراء مراجعة ذاتية، بعدما قرأت ولو متأخرة قراءة المتغيّرات على الأرض». وحذروا من أن «بعض المجموعات قد ترفض الإقرار بما يجري، وستواجه أي خطوات لاستهدافها، ما قد يورّطها ويورط آخرين معها، خصوصاً أن السلاح والعناصر والخطاب التحريضي لا تزال حاضرة بقوة في طرابلس».

لكن الوضع الذي وصلت إليه طرابلس لا يُحمّله هؤلاء الإسلاميون إلى المجموعات المسلحة فيها، إسلامية كانت أم غير إسلامية، بل يرون أن «الدولة والسياسيين والأجهزة الأمنية هم من أسهموا في تمادي هؤلاء المسلحين إلى هذا الحدّ، ما جعلهم يظنون أن البلد قد فرط وعلى كل طرف أن يضع يده على ما تيسّر له منه».

وخلص الإسلاميون إلى أنه «ينبغي علينا أخذ العبرة من تجربة أفواج طرابلس التي فشلت فشلاً ذريعاً، ولا نزال نعاني تداعياتها حتى اليوم»، مؤكدة أنه «لا يزال هناك فسحة من الوقت، ولو ضئيلة، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى