مسلسل القتل الجماعي بأمريكا… هل يتوقف مع بايدن…؟

عادت الولايات المتحدة لتشهد حلقة جديدة من ”العنف الاجتماعي”، فقد أعلنت الشرطة الأمريكية صباح الثلاثاء 02/02/2021 عن مقتل 6 أشخاص على الأقل من بينهم 5 أطفال، بعد أن قام مسلح بإطلاق النار على أحد المنازل في بلدة أوكلاهوما الصغيرة. وذكر بيان الشرطة، أنه تم العثور على رجل بالغ ميتا داخل المسكن، بالإضافة إلى أربعة أطفال صغار. وقالت الشرطة إنها ألقت القبض على مطلق النار، إلا أنها لم تكشف عن هويته أو الدافع وراء إطلاق للنار. وللأسف الشديد، فعمليات القتل الجماعي التي يستفيق عليها الأمريكيون ما بين الفينة والأخرى سمة بارزة للمجتمع الأمريكي الذي يعتبر حق حيازة السلاح الفردي حرية فردية وميزة للديمقراطية الأمريكية التي أسفرت عن نحو 600 عملية قتل جماعية داخل الولايات المتحدة في عام 2020. ويستطيع الأشخاص في الولايات المتحدة اقتناء الأسلحة والذخيرة بأسعار متدنية عبر مواقع الإنترنت التي تعد سوقاً ضخمة كما تنشط تجارة تهريب الأسلحة عن طريق الحدود المكسيكية والعصابات المسلحة التي تنشط في الاتجار بالمخدرات.

يعتبر حق حيازة السلاح الفردي في الولايات المتحدة موضوعاً شائكاً، يثير الكثير من الجدل والانقسامات بين الأمريكيين الذين يحتلون المرتبة الأولى عالمياً في معدل حيازة الفرد للأسلحة، بحسب الإحصاءات، كما أن معدلات الوفاة الناتجة عن استخدام هذه الأسلحة النارية هي الأكبر وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية. فقد ارتفعت حوادث القتل خلال فترة تفشي وباء كورونا، حيث ارتفعت بنسبة 15 في المائة خلال النصف الأول من عام 2020، حسبما قاله مكتب التحقيقات الاتحادي. وقد شهدت مختلف المدن والولايات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة تزايدا كبيرا في وتيرة عمليات وحوادث إطلاق النار، ومنذ وصول الغير مأسوف على رحيله، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2017، شهدت أمريكا موجات غير مسبوقة من جرائم الكراهية والتمييز العنصري شهدها المجتمع الأمريكي رفعت معدل حوادث إطلاق النار التي تحصد المزيد من أرواح الأمريكيين فيما ارتفعت نسبة الجرائم والاعتداءات على الأقليات إلى أعلى مستوى لها…

وفي هذا السياق فقد قالت شركة “تحليلات وتنبؤات الأسلحة الصغيرة” وهي شركة أبحاث معنية برصد مبيعات الأسلحة، إن قطع الأسلحة التي جرى بيعها شهدت زيادة ملحوظة خلال 2020 بنحو 17 مليون قطعة. ولم يتضح السبب وراء الزيادة، رغم أن بعض المراقبين تكهنوا بأن الزيادة ربما ترجع إلى الاقتصاد المتعثر، أو تقاعس رجال الشرطة عن أداء مهامهم بسبب ازدياد الشعور بعدم الثقة في جهاز الشرطة، ووفقا لاستطلاع أخير بين تجار التجزئة للأسلحة، فإن نحو 40 في المائة من الزبائن على مستوى أمريكا هذا العام يشترون سلاحاً لأول مرة، بارتفاع من نسبة 24 في المائة خلال الأعوام الماضية. واشترى الأمريكيون من أصحاب البشرة السوداء أسلحة بنسبة أعلى من الأعوام الماضية تبلغ 58 في المائة، فيما تعد أعلى زيادة لأي مجموعة سكانية، أما بعض الأمريكيين الآسيويين فقالوا إنهم يخشون استهدافهم في هجمات عرقية عقب اتهام الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” الصين أكثر من مرة بأنها وراء تفشي فيروس كورونا.

وفي تدوينة للرئيس الأميركي باراك أوباما في العام الماضي قال فيها: إنّ نسبة قتل المواطنين الأميركيين لبعضهم البعض تفوق ما يماثلها في دول متقدمة أخرى، وذكر أنّ تلك النسبة في الولايات المتحدة تفوق 297 ضعفاً عنها في اليابان و49 في فرنسا. حتى المدارس تحوّلت إلى أماكن يجب حمايتها من الأسلحة حيث يوجد أكثر من 30 ألف مدرسة لديها حراس مسلحين. وبالرغم من أنّ نسبة سكان الولايات المتحدة تبلغ 4.4 في المائة فقط من نسبة سكان العالم، إلا أنّ عدد مالكي السلاح الناري من المدنيين في العالم يصل إلى 644 مليوناً، نصفهم يعيشون في أميركا وحدها. وقدّرت وسائل إعلام أمريكية أنه تمّ أيضاً خلال شهر آذار 2020 وحده اقتناء أكثر من 2.6 مليون قطعة سلاح جديدة، إذ وصلت نسبة الارتفاع على شراء أسلحة جديدة إلى أكثر من 85 في المائة، استناداً أيضاً إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي، وحسب التقارير فإنّ المدنيين الأميركيين كانوا يمتلكون في السابق 393 مليون بندقية في عام 2018 سواء بشكل قانوني أو غير قانوني، لكن التقديرات الصادرة عن عدد من المراكز المتخصصة تشير إلى أنّ هذه الأعداد تضاعفت بشكل كبير، وبدأت موجة شراء الأسلحة بدلاً من المعقمات مع خوف الأميركيين من فوضى فيروس كورونا بعد تحريض الرئيس السابق ترامب لأنصاره بخاصةً أعضاء اليمين المتطرف للتمرّد على أوامر الحجر التي أصدرها مسؤولون ديمقراطيون، وهو التمرّد الذي تحول لاحقاً إلى تمرّد مسلح على إجراءات الحجر، ليزداد خوف الأميركيين من أعمال العنف العنصرية.

معظم عمليات القتل الجماعي لم تجد طريقها إلى وسائل الإعلام الوطنية (يو أس إيه توداي)

والشاذ في الأمر، أنّ تصريحات الراحل ترامب التحريضية ونزعته لما يسمى ”التفوق العرقي للبيض” عززت بذور التمييز العنصري المتأصل أيضاً في الولايات المتحدة وساعدت على انتشاره كما النار في الهشيم، لتطمس كل المحاولات والجهود التي بذلتها المؤسسات الأمريكية الرسمية وغير الرسمية على مدى عقود لتبرئة المجتمع الأمريكي من تهمة العنصرية. وعلى الرغم من أن لون البشرة، واحداً من أهم مسببات الانقسام في داخل المجتمع الأميركي، كما تعكسه مرآة السياسة هناك، إلا أن على المرء أن لا يغفل قط ما يشغل الأميركيين اليوم من صراع حاد حول السماح بحيازة وحمل الأسلحة النارية الخفيفة، بل وحتى المتوسطة والثقيلة، هناك، بخاصة بعد تضاعف أنباء عمليات القتل العشوائي التي يتوقعها الأميركيون اليوم في المدارس والجامعات، وفي النوادي والأسواق، من بين سواها من الأماكن العامة.

وعلينا أن نعترف، أنه رغم تزايد عدد حوادث إطلاق النار وانتشار الرعب في المجتمع الأمريكي، إلا أن الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة دونالد ترامب لم تحرك ساكنا، بل عرقلت أي تحرك قانوني لسن تشريعات جديدة تحد من انتشار الأسلحة في الولايات المتحدة وسهولة حيازتها. فترامب كان من أبرز المدافعين عن حرية اقتناء السلاح، وسبق أن تعهد خلال حملته الانتخابية عام 2016 بالدفاع عما اعتبره ”الحق” لدى فئات من الأمريكيين بحمل سلاح ورفع القيود التي وضعها الرئيس السابق باراك أوباما على شراء الأسلحة.

لقد ارتفعت حوادث إطلاق النار بأمريكا، حيث شهدت البلاد خلال العامين الماضيين عشرات حوادث إطلاق النار كان أبرزها في تشرين الأول 2017 عندما أطلق رجل النار على حفل موسيقي في لاس فيغاس بولاية نيفادا ما أسفر عن سقوط 58 قتيلا ونحو 500 جريح. وسجلت حوالي 1.2 مليون جريمة عنف في 2018 في الولايات المتحدة. وسُجل في 2018 ما مجموعه 16214 جريمة قتل، ارتُكب نحو 75 في المائة منها بواسطة أسلحة نارية، وفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. وقالت صحيفة ”يو أس إيه توداي” الأمريكية، إن عام 2019 شهد وقوع أكبر عدد من عمليات القتل الجماعي منذ السبعينيات، بواقع 41 عملية قتل فيها فوق أربعة أشخاص باستثناء مرتكب الجريمة. ومن بين هذه العمليات كان هنالك 33 حالة إطلاق نار قتل فيها 210 أشخاص. وأشارت الإحصائيات إلى أنه تم تنفيذ معظم هذه الحوادث بالأسلحة النارية مبينة أن توصيف القتل الجماعي ينطبق على أي حادث ينطوي على مقتل أربعة أشخاص وما فوق باستثناء القاتل. وقالت الصحيفة إن معظم عمليات القتل الجماعي لم تجد طريقها إلى وسائل الإعلام الوطنية، لأنها لم تقع في أماكن عامة، ويتضمن غالبها قتل زملاء العمل، أو الأقارب، أو أفراد عصابات.

تصف ”روبين توماس” مديرة المركز القانوني ضد أعمال العنف التي ترتكب باستخدام أسلحة نارية واقع انتشار الأسلحة الشخصية في الولايات المتحدة بالقول ”الدولة الفيدرالية لا تفعل إلا القليل وتقريباً لا شيء” في هذا المجال، ولكن 40 في المائة من مبيعات الأسلحة لا يشملها القانون لأنها تجري بين أفراد ”على مواقع الكترونية متخصصة لتقوم بدور وساطة بين شخصين ولا يطال القانون سوى التجار الذي يملكون تصريحا بهذه التجارة، وهناك ثغرات في السجل العدلي الفيدرالي للأفراد”.

ويمكن الربط بين النظم الاقتصادية وما يحدث في المجتمعات، ويتفرد مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية بنظام اقتصادي لا يماثله نظام آخر في العالم، فدولة الولايات المتحدة تضم خمسين ولاية ولكل ولاية نظمها وقوانينها، غير أنها جميعاً سائرة في إطار نظام السوق والاقتصاد الرأسمالي القائم على المنافسة ومنع الإحتكار، وتأخذ المنافسة واقعاً حدياً لا وجود للضعفاء مكان فيه، بل أن هناك أعرافاً تسير الحياة وفق دلالاتها ومضامينها منها ”عندما نتحدث عن الكسب و المال فإن الشفقة تعني الضعف” و ”إن الفقراء أغبياء و كسالى ويستحقون فقرهم والأغنياء الأثرياء أذكياء ومثابرون ويستحقون غناهم”. أما نظام السوق فيعمل بقوانين المنافسة الكاملة والتي من بين أنواعها ما يعرف بـ”منافسة قطع الحنجرة” التي تعني ”اقض على منافسيك بإخراجهم من السوق قبل أن يقضون عليك ويخرجونك من السوق” في مثل تلك النظم والقوانين والتشريعات الصارمة الحدية التي تفرضها النخب السياسية في الكونجرس التي تمثل كبريات الشركات والمصالح المسيطرة على سائر طبقات المجتمع الأمريكي، في مثل هذا الواقع لابد أن يسعد أناساً ويشقى منه آخرون.

كاتب صحافي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى