مصطفى النحاس هو صانع الثورة وليس جمال عبد الناصر

كان قيام الثورة المصريه فى 1952 ثمرة لتضافر جهود ثلاثة قوى كانت تعمل سرا وعلانية من اجل تحرير الوطن من نير الاستعمار البريطانى . وعلى راس هذه الهيئات الثلاثة كان حزب الوفد بزعامة مصطفى النحاس باشا . يليه الجيش حيث وجد الفرصه سانحه والساحه قد خلت له باقصاء الوفد فتحرك لانجاز الخطوات الاخيره للثورة. واخيرا كان هناك القصر ممثلا فى الملك فاروق حيث ساهم فى صناعة الثوره بعدم الممانعه . ويعتبر الطرف الاهم والرئيسى فى صناعة ثورة يوليو هو حزب الوفد بزعامة مصطفى النحاس باشا حيث سعى لاستغلال الحرب العالميه الثانيه والاتفاق مع بريطانيا على ان يتعاون معها ضد الالمان (على عكس اتجاه القصر) مقابل ان تجلو بريطانيا عن مصر بعد انتهاء الحرب وقدم مذكره بذلك للسفير البريطانى فى 5 ابريل 1940 ومن قبلها كانت معاهدة 1936 تسعى الى نفس الهدف .

وانتهت الحرب ولم تنفذ بريطانيا وعودها بل التزاماتها . وفى يوم 18 اكتوبر 1951 ومن على منصة مجلس النواب القى النحاس بيانه التاريخى الذى قال فيه : ” من اجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن اجل مصر اطالبكم اليوم بالغائها ” . وهو ما يعنى ان الوجود العسكرى البريطانى فى مصر لم يعد شرعيا وبالتالى خروج الثوره عليه .

دخلت بريطانيا فى حالة طوارىء فالغت اجازات جيش الاحتلال وفى الخرطوم طافت الدبابات الشوارع لارهاب السودانيين الذين استقبلوها بالهتاف ” يسقط الاحتلال “. وتفجرت بهذا الثوره الثانيه التى يشعلها ويقودها حزب الوفد بعد ثورة 1919 حيث استقبل الشعب المصرى قرار الغاء معاهدة 1936 بفرحه عارمه وحماس بالغ واعلن تجاوبه مع الحكومه التى مضت فى ادارة الثورة بعدة اجراءات منها : الغاء جميع الاعفاءات الماليه التى كانت ممنوحه للسلطه العسكريه البريطانيه وتشمل الرسوم الجمركيه على المهمات و الاسلحه والعتاد والمواد التموينيه وما الى ذلك وامتنعت الحكومه عامة عن اداء التسهيلات والخدمات التى كانت تؤديها للسلطه العسكريه البريطانيه ومنها مواد التموين ومنعت مغادرة ضباط وافراد الجيش البريطانى لمنطقة قناة السويس .

ومنعت دخول رعايا بريطانيا المدنيين متى كانوا قد عملوا فى خدمة القوات البريطانيه فى اى بلد وانهت تصاريح الاقامه للبريطانيين الذين كانت اقامتهم فى البلاد لسبب الخدمه فى القوات البريطانيه . كما منعت الحكومه تعاون سكك حديد مصر مع سلطات الاحتلال ومنعت المتعهدين من توريد اللحوم والخضراوات والمستلزمات الاخرى اللازمه لاعاشة 80 الف جندى وضابط بريطانى . واتخذت الحكومه قرارات فى شان معاقبة المتعاونين مع الاحتلال واباحت للشعب حمل السلاح للدفاع عن نفسه . وعلى المستوى الشعبى قادت حكومة الوفد حركة مقاومه شعبيه فى منطقة قناة السويس فكان اضراب العمال المصريين فى المعسكرات البريطانيه . وبلغ المد الثورى مداه ليتحول الى كفاح مسلح ببدء العمليات الفدائيه ضد الجيش الانجليزى وتساقط القتلى فى الجانبين وعجزت قوات البوليس عن مواجهة القوات البريطانيه وتساءل الناس بحق : اين الجيش المصرى ؟

وتطوع كثير من الشباب لقتال القوات البريطانيه وتشكلت منهم كتائب عرفت باسم ” كتائب التحرير” تمركزت فى القاهره وفى القرى والمدن الواقعه فى منطقة القنال او القريبه منها .

ويقول الصاغ/ خالد محيى الدين عضو مجلس قيادة الثوره ان شعور الجيش بالحرج تصاعد مع تصاعد الاحداث وقررنا ان يتوجه عدد من الضباط بشكل جماعى الى رئاسة الاركان بكوبرى القبه مطالبين بالسماح لهم بالسفرلمنطقة القناة للوقوف مع الشعب فى مواجهة قوات الاحتلال وقوبل طلبهم بالرفض وفى النهايه قررنا تسريب كميات كبيره من الذخيره الى المجاهدين . ومع استمرار العمليات بدأ سلاح الفرسان يرسل سرا ضباطا لقيادة الفدائيين فى الهجوم على معسكرات الانجليز. ومن هذه العمليات كانت مهاجمة معسكر التل الكبير ونسف السكه الحديد امام بوابة المعسكر فانقلب قطار محمل بالمؤن والمعدات الحربيه .

واشترك سرا ايضا ضباطا منتمين للاخوان وحدتو (اختصار الحركه الديمقراطيه للتحرر الوطنى ) ومن تنظيم الضباط الاحرار. كما ساهمت جميع الاحزاب المصريه فى صنع الثوره على الانجليز وانضم اليهم الحركات السريه كالاخوان والشيوعيين وطلبة الجامعه وقد اغتالوا الكثير من العسكريين الانجليز وجن جنونهم فقرروا نسف قرية “كفر عبده” القريبه من السويس بحجة انها تاوى فدائيين وحركت الحكومه قوات البوليس والفدائيين للدفاع عن القريه وبعد معركه غير متكافئه ازالها الانجليز من الوجود ثم التقى الطرفان فى معركة “زيتية شل” 3 ديسمبر1951 وكانت الغلبه للمقاومه الشعبيه المدعومه بقوات البوليس حتى انهم قتلوا قائد العمليه . وانتقم الانجليز بمذبحة 25 يناير ضد قوات الشرطه واستشهد فيها نحو 80 من افراد الشرطه وسرعان ما انتشرت انباء هذه المذبحه وقدمت وزارة الخارجيه المصريه مذكره للجمعيه العامه للامم المتحده بوقائع هذه المذبحه كما سحبت الحكومه سفير مصر فى بريطانيا .

وفى صباح يوم 26 يناير ساد البلاد موجه من الغضب واحتشدت قوات بلوك النظام الموجوده فى منطقة القاهره لاظهار سخطهم على ما حدث لزملائهم فى الاسماعيليه وتحركت هذه القوات متجهه الى جامعة الملك فؤاد واخرجوا الطلبه وساروا فى مظاهره غريبه ضمت الطلبه الى جانب بلوكات النظام حتى وصلوا الى مبنى مجلس الوزراء وهتفوا مطالبين بالسلاح وخرج اليهم عبد الفتاح حسن وزير الشئون الاجتماعية يعلمهم بان الحكومه قررت قطع اى صله مع بريطانيا والتحالف مع الاتحاد السوفييتى ثم توجهت المظاهره الى قصر عابدين وانضم اليهم اعدادا غفيره من الجماهير واصبح المشهد مخيفا وعلى وشك ان ينفلت . وبينما كانت المظاهره المسلحه تتجه نحو ميدان الاوبرا ظهرت سياره نقل مفتوحه بها عدة رجال فى الثلاثينات من العمر خرجوا من سيارتهم حاملين صفائح البنزين وافرغوه فى كازينو بديعه بميدان العتبه واشعلوا فيه النار ثم انتقلوا الى الجانب الاخر حيث فندق شبرد واشعلوا فيه النيران . بعد ذلك انفضت المظاهره وسادت الفوضى وانضم الغوغاء الى المسيره وصاروا يحطمون واجهات المحلات ويسرقون ما بها . وانتشرت الحرائق بسرعه فطالت احياء الفجاله والظاهر والقلعه وميدان محطة مصر وميدان التحرير حتى وصلت الى شارع الهرم فى دقائق . ووصل الامر الى حد استخدام مضخات لرش البنزين على المبانى بل وقطع خراطيم المياه المستخدمه فى الاطفاء .

وقبيل غروب ذلك اليوم نزلت قوات الجيش الى الشارع . وفى مساء نفس اليوم تقدم النحاس باستقالة حكومته الا ان الملك رفضها وتم تعيين النحاس باشا حاكما عسكريا فاعلن الاحكام العرفيه وحظر التجوال فى القاهره والجيزه واوقف الدراسه فى المدارس والجامعات الى اجل غير مسمى . وعاد الهدوء الى العاصمه واختفت عصابات السلب والنهب .

وفى يوم 29 يناير كان خطاب الملك فاروق الذى اعرب فيه عن اسفه لما اصاب العاصمه وحمل المسئوليه كاملة لحكومة مصطفى النحاس باشا واعفاها من المسئوليه. احترقت القاهره واقيلت حكومة النحاس فيما بقيت الاحكام العرفيه التى اعلنتها .

وباختفاء حكومة الوفد فقد بدأ تنظيم الضباط الاحرار يتعامل مع المشهد وكانوا من قبل قد قرروا انجاز ثورتهم فى 1955 الا ان الاحداث التى صنعها حزب الوفد قد اغرتهم بالتحرك لقطف ثمرتها والسيطره على مجريات الاحداث للفوز بالبلاد فى النهايه فاجتمعت اللجنه التأسيسيه للضباط الاحرار فى مساء يوم الحريق واتفقوا على ان الزمام قد يفلت فى اى لحظه وان عليهم التحرك بسرعه خاصة ان الملك كان قد عرف بامرهم وبتنظيماتهم داخل الجيش وذلك بعد ان تحدوه فى انتخابات نادى الضباط التى جرت يوم 31 ديسمبر 1951. وبسبب عدم اكتمال التنظيم وخلاياه فى كل الاسلحه وعدم جاهزيته فقد تقرر عدم التحرك رغم توافر الظرف الموضوعى .

وبدأ التنظيم يعمل بسرعه لاستكمال بنيته التنظيميه فبدأت المنشورات السريه منذ اجتماع اللجنه التاسيسيه يوم الحريق .

وراحت تتوالى حتى اصبح واضحا لجميع ضباط الجيش وجودا فعليا للضباط الاحرار فانضمت اليهم اعدادا كبيره من الضباط بحيث اصبح التنظيم قويا وقادرا . وطبعا وصلت انباء التنظيم وتحركاته الظاهره الى القوى الداخليه والخارجيه. وعن طريق الاخوان المسلمين ابلغ الانجليز الضباط الاحرار انهم غير راغبين فى وجود الملك فاروق وانهم يريدون التخلص منه لانه لا يضمن مصالحهم وانهم طلبوا فعلا من الاخوان اغتياله. والرساله المبطنه انهم يرحبون بحكم الجيش على انقاض النظام الملكى . وبهذا تكون بريطانيا قد وجهت احداث الثوره ضد القصر لتستهدف الملك والنظام الملكى بدلا من الاحتلال البريطانى . ومن ناحيه اخرى اتصل الملحق العسكرى الامريكى ب على صبرى مدير مخابرات الطيران واعلمه بانه فى حالة تحرك الجيش المصرى لاحداث تغيير فان الامريكان سيطلبون من الانجليز عدم التدخل اذا كانت هذه الحركه غير شيوعيه ولا تهدد مصالحهم . وحدد الضباط الاحرار موعد تحركهم بشهر نوفمبر 1952.

فى ذلك الوقت عز على حزب الوفد ان يصنع هو الثورة ليجنى ثمرتها حفنه من الضباط فحاول تحريك بعض اذرعته فى الجيش . وقام الضابط حسن علام بتوزيع منشورات لحساب الوفد الا انه قبض عليه كما اصدرت الحكومه امرا بتحديد اقامة فؤاد سراج الدين باشا وزير الداخليه وعبد الفتاح حسن وزير الشئون الاجتماعيه بحكومة الوفد المقاله . وعلى الجانب الاخر تشكلت حكومة على باشا ماهر وطلب منها التنكيل بالشعب لاحباط ثورته ورفضت الحكومه فسقطت وجاءت وزارة نجيب الهلالى باشا وسرعان ما سقطت وراحت الحكومات تتشكل ثم تسقط بعد ايام لدرجة ان تغيرت 5 وزارات فى 6 اشهر وهو ما يعنى ان عجلة الحكم قد توقفت عن الدوران . لتبدأ على استحياء حركة الضباط الاحرار فجر يوم 23 يوليو 1952 .

تلك كانت احداث الثوره الشعبيه التى اشعلها مصطفى النحاس باشا وحولها الى الكفاح المسلح . وادار احداثها باقتدار على مدى 100 يوم الى ان افلت الزمام اثر مذبحة 25 يناير 1952 وتطور الامر بسرعه فاحرقت القاهرة وفقدت الحكومه السيطره ثم غادرت المشهد وتوقفت الثوره لغياب القائد . ويتهيأ تنظيم الضباط الاحرار لملء الفراغ ويوجه الضربه الاخيره للنظام الملكى والاحتلال البريطانى معا .

والسؤال الذي لم يجب عليه مؤرخا واحدا منذ 67 سنة هو لماذا فشل مصطفى النحاس باشا في صناعة الثورة ؟ . وبالبحث في الثورة الفاشلة او الغير مكتملة في 1951 اتضح لي بجلاء تام سر الفشل . وهو ان النحاس باشا في ادارته للثورة اعتمد على التنظيم الرسمي للدولة . وعلى سلطاته كرئيس وزراء يسيطر على كل اجهزة الدولة التي تتحكم في وسائل المواصلات والغذاء والدواء والمواني والمطارات والجمارك و المدارس و حتى قوات البوليس . اي انها كانت ثورة تقوم بها الحكومة ويقودها رئيس الحكومة بنفسه ( تحت رضاء خفي من الملك فاروق ) . ولا شك ان الطرف البريطاني لاحظ رسمية الثورة واعتمادها على الاجهزة البيروقراطية ما يعني ان عزل النحاس باشا سوف ينهي الثورة في الحال . ومن هنا دبرت المخابرات البريطانية حريق القاهرة لاجبار الملك فاروق على عزل النحاس باشا . وبالفعل تم لها ما ارادت وغادر النحاس المشهد واتى علي ماهر باشا فانتهت الثورة بالسكته القلبية . ذلك ان الاجهزة البيروقراطية لا تملك الا ان تأتمر بأوامر رؤسائها ايا كانت هذه الاوامر .

واعتقد ان التاريخ لن يتسامح مع النحاس باشا في هذا الخطأ الكبير خاصة انه قد تتلمذ على يد سعد زغلول . ورأي كيف صنع وادار ثورة 1919 من خلال جهاز مخابرات عهد بادارته الى عبد الرحمن بك فهمي . هذا الجهاز هو ما مكن سعد من ادارة الثورة حتى وهو موجود خارج مصر . و ما يعظم من خطأ النحاس انه ترتب عليه تولي الجيش حكم مصر فأنهى الحياة السياسية وقتل التجربة الديمقراطية التي استمرت لأكثر من نصف قرن . وبدأت مصر فترة عصيبة من تاريخها وعاش اهلها كالعبيد تحت حكم سلطة عسكرية غاشمة لا تزال جاثمة فوق انفاس البلاد والعباد حتى هذه اللحظات .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى