مطبات الترسيم.. وفرملة التأليف

أسابيع حامية وحاسمة تنتظر لبنان في ظل شد حبال داخلي – خارجي حيال الملفات الاستراتيجية العالقة والأجندات المطلوبة، بانتظار الوصول إلى مرحلة خلط الأوراق دولياً وإقليمياً مع تسلم جو بايدن مفاتيح البيت الأبيض. فجرياً على العادة تراهن القوى السياسية على تطورات خارج الحدود لتقارب مسار الاستحقاقات المحلية وفي طليعتها ملف تأليف الحكومة.

لا شك في أن جوهر المشكلة يكمن في وجود قدر كبير من عدم التوافق بين توقعات طرفي النزاع السياسي في لبنان. فلا أحد من القوى المتنازعة في إشارة إلى الرئيس المكلف سعد الحريري من جهة ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل من جهة أخرى، يرغب بتغيير مواقفه تجاه عملية التشكيل، على رغم إدراك المعنيين كافة بمشاورات التأليف بمن فيهم “حزب الله”، أن الاتجاه الذي قد تشهده المنطقة خلال هذين الشهرين لا يبشر بالخير في ظل التقارير الغربية والأميركية التي تتحدث عن امكانية ذهاب الرئيس الاميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب إلى توجيه ضربة ضد إيران خلال هذه الفترة الانتقالية، بالتوازي مع ما وصل إلى مسامع القيادات السياسية في لبنان عن مخاوف من احتمال حدوث تطورات أمنية أو عسكرية في المنطقة ومخاوف من تصعيد في جنوب لبنان في ظل الاستنفار على الحدود في الجبهتين، والذي يتزامن مع الغارات الاسرائيلية على سوريا.

إذاً المشكلة الأساس تتمثل، بحسب مصادر مطلعة لـ”لبنان 24″، في غياب رؤية وطنية موحدة لمقاربة الوضع الحرج في لبنان. فعلى رغم إجماع القوى السياسية كافة على التمسك بالمبادرة الفرنسية والعمل على تسهيل تطبيقها، فإن كل فريق من الفرقاء السياسيين يحاول التقاط الأنفاس واللعب على طريقة الروليت الروسية، ظنا منه أن الأمور قد تنقلب لمصلحته ويمسك بخيوط اللعبة في لبنان بأبعادها كافة، ولعل “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” الاكثر اندفاعا نحو تقطيع الوقت على رغم ادراكهما انهما لن يتمكنا من رسم السيناريو الذي سيحكم البلد وأنهما لا يضمنان أن تمر الأمور على خير اقتصادياً ومالياً واجتماعياً وسياسياً، هذا فضلاً عن أن السياسة الأميركية من الملف اللبناني والمتشددة ضد “حزب الله” لن تتغير مع وصول بايدن.

وإذا كانت المستجدات الأخيرة المتصلة بالعقوبات على باسيل بالتوازي مع التوجه الأميركي إلى إصدار عقوبات جديدة بحقّ أكثر من شخصيّة سياسيّة لبنانيّة وفق قانون ماغنيتسكي، قد دفع البعض إلى التروي وإعادة النظر بشكل الحكومة، فإن وجهة نظر الرئيس الحريري تعتبر أن عدم تأليف حكومة اختصاصيين سيمنع عن لبنان المساعدات وسوف يدفع الأميركيين إلى التوسع في لائحة العقوبات والضغوطات الخارجية التي من شأنها ان تدفع بالوضع الاقتصادي نحو الانفجار، ولذلك يجب الدفع نحو تشكيل حكومة مهمة تكون قادرة على انقاذ لبنان اقتصادياً لئلا تنفجر الأوضاع اجتماعيا في وجه الجميع وقد لا تتوقف الأمور عند هذا الحد.

ومع ذلك، تقول مصادر مطلعة في 8 آذار لـ”لبنان24″ إن الخلاف اليوم أبعد من الحكومة، ويتصل بمفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي قلبت المشهد رأسا على عقب، فبعد إصرار الوفد اللبناني إلى مفاوضات الناقورة على تمسكه بحقوقه وسيادته من خلال التأكيد على التفاوض على أساس الخط الذي يقع جنوب خط النقطة 23، ويمنح لبنان مساحة 1430 كيلومتراً وليس 860 كيلومتراً مربعاً، تبدل ‘مزاج” الوسيط الأميركي الذي كان على استعداد لغض النظر عن شكل الحكومة ومشاركة “حزب الله” فيها مقابل الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية ضمن مهلة زمنية محددة وبما يراعي مصالح اسرائيل التي وضعت امس على لسان وزير طاقتها احتمال ان تصل المفاوضات الى طريق مسدود.

من هنا ترى المصادر ان العقبات التي تعترض التشكيل لا تتصل بحقيبة من هنا أو أسماء من هناك. فبالامكان تجاوز العراقيل عندما تنضج التفاهمات الداخلية – الخارجية حول الملفات العالقة، علما أن مفاوضات الترسيم كانت محل بحث ونقاش بين رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي “امل ان يتم حل هذا النزاع حول الحدود البحرية، خاصة وان المفاوضات يمكن أن تؤدي إلى زيادة في الاستقرار والأمن والازدهار لكل من المواطنين الإسرائيليين والمواطنين في لبنان”.

والى ذلك الحين يمكن القول إن مطبات الترسيم فرملت اندفاعة التأليف.

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى