مظلومية منبر البيت العتيق وحبل كذب السديس

مسكين هو منبر جمعة البيت العتيق أقدس بقعة في العالم حيث يُستغل أبشع استغلال باسم دين المحبة والمودة والأخلاق والتآخي والعيش السلمي المشترك، على طول تاريخ سطوة بني سعود على بلاد الحجاز منذ القرن السابع عشر حتى يومنا هذا.

فقد تبنت المؤسسة الدينية الذراع المساعدة للسلطة في البلاد دعم أسرة بني سعود بما أُتيت من نفاق وخداع وتزوير وتزييف للأحاديث والروايات بإصدار فتاوى لم يأت بها الاسلام لا من قريب ولا من بعيد تماشيا مع رغبة الحاكم الجائر، حتى بلغ بهم المطاف الى تحريف سور القرآن الكريم ومعانيه وأخذوا يفسرونه كيفما تشاء نفوسهم المريضة.

ومن قباحة فعل وعاظ السلاطين ودعاة الكذب والنفاق والتزوير أن خطب عبدسلمان السديس أمام جمعة المسجد الحرام قائلاً: “من التنبيهات المفيدة في مسائل العقيدة، عدم الفهم الصحيح في باب الولاء والبراء، ووجود اللبس فيه بين الاعتقاد القلبي وحسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية“، مضيفاً: “لا يتنافى مع عدم موالاة غير المسلم، معاملته معاملة حسنة تأليفا لقلبه واستمالة لنفسه، للدخول في هذا الدين“، مستشهدا بوقائع حدثت مع نبي الإسلام محمد صلوات الله وسلامه عليه في تعامله مع اليهود.

وأثارت الخطبة هذه التي تلاها يوم الجمعة الماضية سيلاً عارماً من ردود الفعل على مواقع التواصل، غضباً وتنديداً به لأنه بات يستغل منبر الحرم المكي، للتمهيد “للتطبيع” مع العدو الصهيوني التي تعتبر “خيانة عظمى” للأمة وقضيتها الأساس فلسطين، مبرهناً أن المؤسسة الدينية في البلاد ما هي إلا جمع أناس قد لعقوا الدين على ألسنتهم يحوطونه أينما درّت معايشهم.

هم جمع مشايخ ودعاة متلونون متذبذبون منافقون عبيداً للدنيا الفانية، يشترون مرضاة المخلوق بسخط الخالق ولا يتوانون من كسب ودّ الملك والسلطان والحاكم الجائر، وطالما تدرّ عليهم تلفيقاتهم هذه الدرهم والدينار فإن رغبة السلطان مقدمة على بيان وأحكام رب العباد في كل واردة وشاردة، فتراه يُبكي الناس تارة دفاعاً عن القضية الفلسطينية مؤكداً حرمة التعامل مع الكيان الغاصب لأنها رغبة الملك، فيما يحرف الآيات مرة أخرى ليستثمرها تمهيداً للتطبيع مع العدو الصهيوني؛ وصفهم سبحانه وتعالى بقوله: {مُذَبْذَبِيـنَ بَيْنَ ذَلِكَ لآ إِلَى هَؤُلآءِ وَلآ إِلَى هَؤُلآءِ وَمَن يُضْلِلِ اللـه فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} سورة النساء: 143.

للمؤسسة الدينية في مملكة بني سعود دور كبير في شق صف ووحدة الأمة العربية منها والإسلامية على حد سواء منذ قيامها وحتى يومنا هذا، عبر إصدار فتاوى التكفير وما يسمى بالجهاد وجهاد النكاح وجواز معاشرة الأخت والبهائم وزواج الأجنة وأكل الكلاب وإرضاع الكبير و…. قائمة طويلة وعريضة الاسلام منها براء جملة وتفصيلاً.

فخداع السديس ليست بالمرة الأولى التي تخدع المؤسسة الدينية لبني سعود عقول المسلمين، تذكرني بقصة المثل القائل “حبل الكذب قصير” ** قصة مثل “حبل الكذب قصير”، حيث يروى أنه كان لتاجر غني من بغداد 10 خدام، وفي أحد الأيام تبين له أن أحدهم قد سرق منه كيساً فيه ألف دينار، أخذ التاجر يفكر كثيراً في طريقة لكشف السارق، وبعد تفكير عميق أعطى كل واحد من خدمه حبلاً طوله نصف متر، وقال لهم أن يحضروا إليه صبيحة اليوم التالي ومعهم حبلهم لأن السارق سوف يطول حبله 10 سنتيمترات. وفي صبيحة اليوم التالي حضر جميع الخدام، فنظر في حبل كل واحد منهم، فوجد أن جميع الحبال بنفس الطول كما أعطاهم إياها سابقاً ما عدا واحداً كان أقصر بعشر سنتيمترات، فعرف أنه السارق.

ما يجهله الشارع السعودي ومن يلتف حول مؤسسة بني سعود الدينية أن مشايخها ودعاتها بنوا حياتهم على كذب ثم كذب ثم كذب حتى باتوا هم أنفسهم يصدقون أكاذيبهم ويعتمدون عليها في مواصلة طريقهم الهزل الذي سيعجل في سقوطهم لأن حبل الكذب قصير، منتهجين الدرس الذي علمهم إياه صنمهم الكبير الاستعمار البريطاني الخبيث الذي جاء بعبد الوهاب وأبن سعود معاً في اتفاقية الدرعية بداية القرن السابع عشر “كذب كذب حتى يصدقك الناس، ثم كذب حتى تصدق نفسك”.

وكم من مصائبٍ حلّت بالأمة جراء ما اختلقوه أمثال السديس و العريفي والكلباني وغيرهم ممن باع دينه بدنياه بادعاءات وأقاويل كاذبة مزيفة نسبوها للإسلام دين المحبة والمودة فجرت أنهار الدماء بين طوائف المسلمين ومذاهبهم بفتاوى التكفير قائمة حتى الساعة، ساعدهم في ذلك سكوتنا وخوفنا وقبولنا بما قالوا دون الرجوع الى السنة الحقيقية، وقوله تعالى {مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} سورة النساء:46.

أنهم أئمة انحراف وضلال مبدعون بالكذب والتحايل على الناس السذج يدفعونهم بالهرولة بأي تجاه يبغيه السلطان الجائر، وإن فقهوا خديعتهم وأكاذيبهم أتهموهم “بالخروج على الولي” ثم يحكموا عليهم زوراً وبهتاناً “بحد السيف حرابة”، كل ذلك بدعوى السير على السنة فيما الحقيقة أن “السنة هي سنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، والبدعة ما خالفها، وأما الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا، وأما الجماعة فأهل الحق وإن قلوا”.

هم حفنة منافقين مستهزئين بقيم الدين والعقيدة يميلونها أينما تميل أهواؤهم ورغبات أسيادهم، يبقون في الوسط محايدين لا يميلون الى إحدى النهايتين (الحق والباطل) فيتلبسون بالباطل ويظهرونه الحق، يعيشون في حيرة دوامة دون أي هدف أو خطّة معينة سوى السعي لحياة الترف لما يكتنفهم من خواء وفراغ روحي وعزوف عن الإلتزام، ولهذا نراهم يعيشون حالة التردد والتذبذب المستمر، حيث وصفهم الله سبحانه تعالى بقوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} سورة البقرة:14.

ولا يختلف اثنان من ذوي الوعي والفكر والمعرفة من أنهم انتهازيون مراوغون لا يؤمنون بالدين والآخرة كما يتظاهرون، يعكسون ما عكسه سلفهم أبو سفيان في محضر الخليفة الثالث عثمان بن عفان وهو يصرخ عالياً {تلاقفوها يا بني أمية تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان لا جنة ولا نار} رواه المسعودي في مروج الذهب 1/ 440 و2 / 343، وكذلك ابن عساكر في تاريخه 6: 407 عن أنس، وأبن عبدالبر في الإستيعاب 2/690 و4/1679، والاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة لابن حجر ج2 ص245 وج 3ص395و…غيرهم آخرين.

واضاف خطيب الحرم المكي: “حين يُغفل منهج الحوار الإنساني، تسود لغة العنف والإقصاء والكراهية“، متجاهلاً أن الحبيب المصطفى قد طردهم من أرض المدينة ومن كل شبه الجزيرة العربية كونهم إن اليهود لا عهد لهم، وعصوا الله سبحانه وتعالى وقتلوا الأنبياء، فضربت عليهم الذلّة والمسكنة الى يوم الدّين. هو تحريف كامل الوضوح عن الحقيقة وضحه كلام الباري سبحانه وتعالى {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} سورة النساء: 30

أنهم جبناء خونة يرون اليهود في قوّة وعزّة، فيخافونهم.. السديس منافق يلحد في الحرم، ويمهد للتطبيع والخيانة من فوق المنبر المكي الشريف، وغفران جرائم الصهاينة ضد أهلنا في فلسطين وغيرهم من العرب واحتلالهم لمسرى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويدعو لمعاملتهم معاملة حسنة تأليفا لقلوبهم؛ فيما يلتزم الصمت على عشرات آلاف السعوديين الأحرار الذين يرزحون في سجون بني سعود لقولهم الحق ودعوتهم للتغيير وحرية التعبير والمساواة ليس إلا.

بواسطة
جمال حسن
المصدر
حركة الحرية والتغيير
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى