معروف حمية: مزارع وأد الفتنة

لا تزال مواقف معروف حمية، والد الشهيد محمد حمية، موضع تداول بين اللبنانيين الذين وصفوه برجل الدولة. سجّل للوالد «كلُّ المعروف في وأد الفتنة»، كما يردّد كثيرون، نتيجة مواقفه التي أطلقها إثر تلقيه خبر إعدام ابنه الجندي في المؤسسة العسكرية على يد خاطفيه من مسلحي «جبهة النصرة».

لم ينطق بالكثير لكنه رفع، برباطة جأش، الظلم والتهديد عن كلّ عامل ونازح سوري، ورفض المقايضة بين جثمان شهيده وإطلاق 15 موقوفاً في سجن روميه، قائلاً: «ليبق الجثمان معكم، خليلكم ياه». في منزل العائلة في سهل بلدتي طاريا وطليا، ترتفع عند المدخل صور «شهيد الوطن كل الوطن»، وعبارات «لن ننسى ولن نسامح».

وفود المعزّين، ما زالت تؤمّ منزل والد الشهيد، وإن بوتيرة أخف من الأيام الماضية. لا يزال الرجل يستقبل معزّيه بابتسامة، وبهدوء لافت. يُهدّئ من روع كل من جاء لمواساته بعبارات «بوجه الله»، «انشالله بكون فدو عنكم وعن عيالكم»، «الله يخلّيكم ويحفظكم»، ليسيطر بعد ذلك صمت رهيب في المكان. فيتساءل الكل حينها: من هو هذا الرجل؟ كبر ابن بلدة طاريا في عائلة أتقنت تحصيل لقمة عيشها من زراعة رحم أراضيها الواقعة بين سهل بلدتي طاريا (غرب بعلبك) وطليا (شرق بعلبك). رغم نكبات المواسم الزراعية، ومعاناة المزارعين البقاعيين، آثر أبو محمد الاعتماد على الزراعة كمورد رزق لتأسيس عائلة، تألفت من الشهيد محمد، وعلي وإيمان وسارة.

يسرح حمية بعينيه الزرقاوين بعيداً من كل من حوله، حتى تخال أنه دخل بهدوء في عالم آخر، يفتش فيه عن وجه شهيده. من الصعب انتزاع حديث منه، ما يدفعك الى صولات وجولات من الأسئلة الصغيرة، لتتبين أن مصاعب الحياة ومشاكلها وهمومها، تعدّ بالنسبة إليه «أكبر معلم». لا يخفي الرجل أن معاناة اختطاف العسكريين ومن بينهم ابنه، طيلة خمسين يوماً، والتي عاشها بأدقّ تفاصيلها ولحظات معاناتها، ومن بينها وقوفه إلى جانب علي مدلج والد الشهيد عباس مدلج، أضافت للجميع «وعياً وإدراكاً لما يحاك من خلف كل تلك الجرائم بحق المنطقة، والبلد بكامله». يدرك أن البعض حاول بعد اختطاف العسكريين في عرسال «استثمار دم أبنائنا» بتنفيذ اعتداءات على سوريين من عمال ونازحين، وحتى على عراسلة، بأعمال سلب وتشليح. يسأل: «هل هكذا نحرّر أبناءنا ونأخذ بثأرهم؟ وممن؟ من هؤلاء الأبرياء!».

يجيب بأن تلك الأعمال «علامات ضعف، وما نعرفه من الدين الإسلامي أن نكظم غيظنا، وأن يتحمل المسؤولية كل من أذنب وارتكب الجرم، ومن هنا كان موقفنا واضحاً بضبط بوصلة ثأرنا عند أشخاص محددين بالاسم، لا عند غيرهم.. والأيام بيننا». يكثر الحديث عن موقف معروف حمية وكلماته، بعد استشهاد نجله محمد. من بين هؤلاء مفتي بعلبك ـ الهرمل الشيخ بكر الرفاعي الذي اعتبر أن موقفه وكلماته، تدل على «عمق إيمانه ومدى فهمه معاني التضحية والفداء»، ومن أنه استطاع رغم هذه الأيام الصعبة التي نمر بها أن «يجمع كل المعروف في موقفه، وكل الحميّة في كلماته».

رامح…

الأخبار

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى