“معلّمي الغالي”

معلّمي الغالي
شعرٌ أبيض خفيف يتوّج رأسه، وشبكةٌ من خطوط التجاعيد ترتاح على وجهه الحنطي الطيبّ، وعينان حزينتان بلون سماء الخريف، وشعر ينبت بعمر أيّام على عارضيه، وشفتان متعانقتان غابت عنهما الابتسامة، وقميص معتّق، وبنطال أسود شاحب نهبت السنوات من لونه القاتم ، وحذاء صابر على قدمين لا تملّان المشي والسعي.. إنّه معلّمي.

إنّه معلّمي الذي التقيته اليوم، وقد علّمني في الصفّ الحادي عشر منذ عقود، ذلك الصفّ الأجمل الذي اخترته أدبيّاً واعتبرته ملعباً لخيالي وحرّيتي بعد أن تحرّرت من أسر الرياضيات التي كَرِهتُها فكرهَتني.

قسماً بأنّني لم ولن أنسى نظراته الباسمة المحبّة الطيّبة والمشجّعة لي عندما كنت أقرأ موضوع التعبير الإبداعيّ بصوتي المفتخر البريء الحالم، ويالجمال ذلك الزمن الذي كنّا لانسمع فيه معلّقات من ملاحم القتل والنهب والحسد والخطف والنفاق والدروس الخصوصيّة والفساد، كما نسمعها اليوم.

ويالروعة الشيخ بدر التي اتُّهِمَتْ ظلماً بأنّها مدينة وهي الحاضنة لمدرستنا التي تشرف ساحتها الواسعة على وادٍ موشّى بشجيرات الآس وشجر الكينا والسنديان والجوز.

كم عادت بي الذاكرة إلى ذلك الزمان وذلك المكان عندما عمّدت مقلتيّ بتأمّل معلّمي المكبّل بالوقار والاحترام و الذي ينام الألم في لحظات حياته التي تشبه الموت البطيء وهو ينتظر ولده الذي هو قطعة من روحه ودماً من شرايينه ليهرب من الموت والغياب والقهر وقد تعرّض للخطف أو للأسر وهو في ساحات القتال.

تحيّة لصبرك و لحزنك ولدموعك المقهورة ولمشاعرك المتحسّرة ولعينيك الحالمتين بالفرج والحريّة لابنك الغالي المغيّب في صحاري المجهول.

أيّها المعلّم الموقّر الكريم المضحّي، تحيّة لروحك المغمّسة بالعطاء والتواضع والعشق والأمل.
يا معلّمي الغالي الحزين.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى