موسكو بكين وطهران.. صياغة المشهد الاستراتيجي للقرن الـ 21

حالتي أسى تنتاب الأمريكيين وتُعدان مسبار يُمكن من خلاله قراءة واقع النظامين الإقليمي والدولي؛ الحالة الأولى تتمثل ببكاء الأمريكيين على مكانة بلادهم الضائعة، وتآكل الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، وتقلص مساحة الوجود الأمريكي في المنطقة، على حساب قوى إقليمية ودولية جديدة، خاصة أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما فضلت الابتعاد عن التورط في المشكلات الكبرى والملفات الساخنة، الأمر الذى بدد النفوذ الأمريكي، ومنح الإدارة الروسية فرصة لسد هذا الفراغ، وإعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي، لا سيما في الشرق الأوسط بتعقيداته وملفاته المتشابكة.

أما الحالة الثانية تتمثل بحالة الأسى التي تملأ صدور الأمريكيين، وتظهر في تصريحات الإدارة الأمريكية والرئيس دونالد ترامب، الأمر الذي ترجمته مراكز الأبحاث الأمريكية، بحالة من التباكي السياسي على ما آل إليه وضع واشنطن، التي كانت يوماً ما القوة العظمى الوحيدة في العالم، ومن غير المرجح أن تستعيد هذه المكانة خلال الفترة المقبلة، خاصة مع رفع الرئيس ترامب شعار “أمريكا أولا”، وتأكيده الاهتمام بقضايا الداخل وأوضاع الأمريكيين قبل كل شيء.

بدأت روسيا والصين في تدشين تحالفهم الاستراتيجي قبل عقد من الزمن، إذ أُبرمت اتفاقيات الصداقة فيما بينهما عام 2001، لكن في ذاك الوقت كان تحالف الدولتين هشّاً إلى حدّ ما، نتيجة عدم رؤية الطرفين لأي قيمة من هذا التحالف في المدى القريب، لكن البيئة الجيوسياسية للمنطقة تتغير وتفرض بتغيراتها أنماطاً استراتيجية وتحالفات الضرورة، فبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، أصبحت موسكو وبكين أكثر تقارباً، الأمر الذي دفعهما إلى البحث عن شريك استراتيجي في الشرق الأوسط لمواجهة الزحف الغربي فيه، هذا الشريك تمثل في إيران، فكان لا بد من هندسة واقع جديد يُعزز نمط التحالف بجوانبه السياسية والعسكرية والاقتصادية.

كثيرة هي مُحددات التقارب الروسي الصيني والإيراني، لا سيما أن خطر الاستراتيجية التي تبنّاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تستهدف الدول الثلاث في مُختلف المسارات سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وكنتيجة منطقية لطبيعة التوجهات الأمريكية، كان لزاماً على بكين وموسكو وطهران، الاتفاق في الأطر الاستراتيجية بعيدة المدى، إذ تعتقد العواصم الثلاث أنه في حال اتسعت عملية الاستقطاب في النظام الدولي وعولمة الاقتصاد، فإن العلاقة الاستراتيجية فيما بينهم تضمن التنمية السلمية والمستقرة للعلاقات، وتخدم المصالح المشتركة، وتساعد في الحفاظ على السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة والعالم.

أقرأ أيضاً:

فيتو روسي صيني ضد مشروع قرار بمجلس الامن حول سوريا

في جانب موازٍ، فإن طبيعة العلاقات بين روسيا وإيران والصين، تُعزز الخطاب السياسي لكبار المسؤولين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتُعزز الثقة الاستراتيجية المتبادلة، إذ من البديهي في ظل هذه العلاقات أن يتم الاتفاق على إنشاء آلية تُجنبهم من مُحددات العبث الأمريكي في العالم، خاصة أن السياسات الروسية الإيرانية الصينية تدعم وبشكل مطلق عملية تعدد الأقطاب في النظام الدولي، ويعلنون استعدادهم لمواجهة التحديات العالمية وإيجاد عالم مليء بالسلام والاستقرار، مع الالتزام المطلق بالمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، ولاسيما ضرورة احترام السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية والامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وامتداداً لذلك، فإن الدول الثلاث تُعارض أي استخدام للقوة أو التهديد باستخدامها، أو فرض عقوبات غير عادلة ضد دول أخرى، مع هندسة مسارات لحل النزاعات والقضايا الدولية المعقدة يكون من خلال الحوار والمفاوضات السياسية.

في ذات السياق، فإن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها ترامب ضد بكين وموسكو وطهران، والتي كان من أبرزها تشديد الضرائب المفروضة على السلع والبضائع الصينية التي تدخل الأراضي الأمريكية، وذلك بعد أن طالب ترامب برفع هذه الضرائب لتصل إلى 100 مليار دولار، وكذلك العقوبات الاقتصادية التي فرضتها أمريكا على روسيا في إطار حلف الناتو على خلفية الأزمة الأوكرانية وشبه جزيرة القرم، فضلاً عن العقوبات التي فُرضت على إيران، ما يعني في عمق هذه المعطيات، أن موسكو وطهران وبكين شعروا بوجود تهديد استراتيجي من جانب أمريكا يستهدف مصالحهم السياسية والاقتصادية والأمنية في مناطق كثيرة من العالم بينها الشرق الأوسط، وهذا بنظر المراقبين يصب في مصلحة التحرك باتجاه إنشاء تحالف روسي – صيني – إيراني، لمواجهة هذا التهديد.

حقيقة الأمر، إن صح توصيف التعاون بين منافسي الولايات المتحدة، فإنه من الممكن أن نُطلق عليه تحالف منهجي بأبعاد استراتيجية، ومن المثير للدهشة أن هذه البلدان تجد المزيد تلو المزيد من المناسبات التي يصب التعاون المشترك فيما بينها في خدمة مصالحهم، ويحدث هذا الأمر لسببين اثنين:

  • أولاً- السبب الجيو سياسي والذي يتمحور حول أن القاسم المشترك الذي يجمع بين روسيا والصين وإيران، هي محاولتهم إضعاف النفوذ الأمريكي في المنطقة، فالنظام الدولي القائم على الهيمنة الأميركية وحلفائها وشركائها، ومع اعتبار المخاطر الكامنة والصعوبات الملازمة للاستيلاء على القوة القيادية والتحالف الاستراتيجي الضخم المرافق لها، فإن الثلاثي الدولي ينجذب بشكل طبيعي إلى الدول التي تتفق معه في معاداة ذلك النظام الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، وربما تساعد في اجتزاء أو التغلب على أطرافه البعيدة.
  • ثانياً- السبب الآيديولوجي فيشير إلى أن هذه الدول تشترك في الالتزام بالحكم غير الليبرالي في العصر الليبرالي بصورة من الصور، ومن المسلم به، أننا لم نرجع إلى الوراء حتى حقبة الخمسينات، عندما كان الصراع الآيديولوجي بين واشنطن وموسكو يتخذ أبعاداً عالمية، كما لم تعد النزعة الماركسية – اللينينية تشكل جوهر العلاقة بين موسكو وبكين، كما كان الحال في عهد ستالين وماو. لكن روسيا والصين وإيران تعتمد كلها أنظمة حكم استبدادية “بحسب التوصيفات الغربية”، وترى أنفسها تناضل من أجل النفوذ والحد من الهيمنة الأمريكية، وربما البقاء في العالم الذي تقوده القوى الاستعمارية البارزة والواضحة.

أقرأ أيضاً:

وزير الخارجية المصري يبحث تطورات الأزمة الليبية مع نظيره الصيني

سياسة التدمير الممنهج التي بدأتها الولايات المتحدة في أُطر متعددة، فضلاً عن معاقبة الدول التي لا ترضخ لهيمنتها، مع السيطرة على منابع النفط الشرق أوسطي، ومحاول احتواء النفوذين الروسي والصيني والإيراني في المنطقة عبر سلاح العقوبات الاقتصادية. كل ذلك وضع روسيا وإيران والصين ضمن خيار وحيد يتمثل في السعي للحد من النفوذ الأمريكي في العالم، ولا سبيل لذلك إلا بهندسة معادلة استراتيجية بمستويات متعددة، فالوقائع الجيوسياسية المتغيرة والتي تُنذر بتصدعات عميقة في النظامين الإقليمي والدولي، تشي صراحة بأن التحالف الروسي الصيني الإيراني سيُشكل المشهد الاستراتيجي للقرن الـ 21.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: