مَن ينتصر ومَن ينهزم في الحروب الطائفية؟

*د. نبيل ياسين | هذا الفقه الذي يطبع المرحلة الحالية بالحروب المُقدّسة التي تبحث عن العدو في داخلها في المذاهب التي تُعارِض السُلطة لتكفيرها واعتبارها أخطر من العدو الخارجي. لكن تجرية الحروب الدينية المُقدّسة في أوروبا أمامنا، وقد تكون تجربة واقعية عن المآلات التي تؤدّي إليها مثل هذه الحروب.

فقد عاشت أوروبا أكثر من ثلاثة قرون وهي تخوض الحروب الطائفية بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. لكن هذه الحروب قادت إلى نتيجة مُثيرة. فبدلاً من أن تقضي الكاثوليكية على البروتستانت ظهرت دول بروتستانتية في أوروبا وتطوّرت صناعياً وثقافياً وسياسياً ماجعلها تقود أوروبا خلال القرنين الماضيين.

[quote arrow=”yes” align=”left”]تُنهي الحروب الطائفية الإسلامية في الشرق الأوسط ستة عقود من الحروب العربية -الإسرائيلية لتُسدل الستار على تاريخها وتحوّل خنادقَ الصِراع من خارجية إلى داخلية. كثير من المُبرّرات لهذه الحروب وجِد في فقه إبن تيمية خاصة.[/quote]منذ حرب الثلاثين عاماً (1618-1648) التي مزّقت أوروبا وامتدّت من تشيكيا الحالية عبر ألمانيا لتصل إلى هولندا وفرنسا وشمال إيطاليا وتُرتكَب خلالها أبشع المذابح وتظهر أسوأ الكوارث بعد الخراب الذي يشبه الخراب الذي تُخلّفه داعش وراءها.

جيوش مختلفة اشتركت في تلك الحروب التي تشبه حروب الشرق الأوسط الطائفية اليوم. ففي حرب الثلاثين عاماً أُستخدِمت جيوش المُرتزقة بشكلٍ واسعٍ. فأخذت تقتل وتُشرّد وتنهب وتحرق كما تفعل داعش اليوم تاركةً وراءها الأوبئة والمجاعات. وخلال ثلاثين عاماً تغيّرت دوافع الحرب الطائفية ودخلت الصِراعات السياسية والصِراع على النفوذ حلبة الحرب مُرتدية الرِداء الطائفي. وتغيّرت موازين القوى والتحالفات بحيث دعمت دول كاثوليكية جماعات بروتستانتية لكي تُضعِف الدول التي يعيش فيها البروتستانت، وضَعُفَ كثيرٌ من الدول التي فقدت ثلث أو نصف سكانها. فقد فقدت ألمانيا ثلاثين بالمائة من السكّان، خمسون بالمائة منهم من الذكور. وفقدت تشيكيا ثلث السكّان أيضا.

ومثل أيّة حرب، أدّت تلك الحرب إلى نقص ٍفي الرجال ووفرة في النساء، الأمر الذي دفع الأمراء المُنتصرين للعودة إلى تعدّد الزوجات استناداً إلى العهد القديم واتّخذوا قراراً في عام 1650 يُجبِر الرجال دون الستين على الزواج بزوجتين.

ودفعت فرنسا ثمناً باهضاً لحروبها الطائفية الثماني بين الكاثوليك والبروتستانت التي استمرّت من 1562 إلى 1598 وقامت بتخريب مملكة فرنسا في النصف الثاني من القرن السادس عشرفي حرب أهلية مُدمّرة، تخلّلتها مذبحة مُروّعة هي مذبحة سان بارتيليمي في عام 1572 والتي ذُبح خلالها قرابة 30 ألفاً من البروتستانتيين على يد السلطة الكاثوليكية والمُتعصّبين الكاثوليك والكنيسة بأوامر من الملك شارل التاسع وأمّه خوفاً من انتشار البروتستانتية. وكانت ساعة الصفر هي قَرع أجراس الكنائس.

وفي تاريخنا الإسلامي ، وبسبب النزاع الصَفوي-العثماني، كانت الحروب السياسية على مناطق النفوذ تأخذ طابعاً مذهبياً خاصة بين الصَفويين الشيعة والعثمانيين السنّة. وكان سكان العراق من الطائفتين ضحاياها. فحين دخل السلطان مراد الرابع بغداد عام ١٦٣٨ قام بمذبحة فظيعة راح ضحيّتها حسب المؤرّخ عباس العزاوي في كتابه (العراق بين احتلالين) عشرون ألفاً. أما المؤرّخ البريطاني إدوارد كريسي فيرفع العدد إلى ثلاثين ألفاً ناقلاً ذلك عن المؤرّخين الأتراك. وانفرد لونكريك فيذكر في كتابه (أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث) أن السلطان أمَرَ بذبح الإيرانيين فقط. كما يذكر أن السلطان أمَرّ بذبح ثلاثمائة إيراني كانوا قد وفدوا لزيارة الكاظمية.

وقد تابع المؤرّخ الاجتماعي الدكتور علي الوردي تطوّر الصِراعات المذهبية بين الدولتين الصفوية والعثمانية والآثار الناجمة عنها في كتابه (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) إذ يتحدّث عن مساعي نادر شاه لاحتلال بغداد واسترجاعها من العثمانيين. ورغم فشل نادر شاه مرتين إلا أن الحِصار الذي فرضه على بغداد لمدة سبعة أشهر والمجاعة الشهيرة التي جعلت كثيراً من الناس تأكل لحوم القطط والكلاب والجِيَف، ترك عشرات الآلاف من الموتى إضافة إلى فتك الأوبئة والأمراض بسكّان بغداد.

لكن هل ينفع كل تاريخ الحروب الطائفية، إذا ما استعرضناه مُفصّلاً في إعادة قراءة التاريخ وتجنّب إعادة تلك الحروب؟ يقول أعداء العرب أنهم لا يقرأون. ويُضيف آخرون أنهم لا يقرأون التاريخ. وإذا كانت أوروبا قد تركت وراءها النِزاعات والحروب الدينية والسياسية أيضا (هذا إذا كان ثمة فروقات بين الإثنين) وتوحّدت في اتحاد أوروبي وعِملة واحدة ودستور واحد تقريباً ولوائح حقوق إنسان واحدة وحقوق مواطنة واحدة، وتحلّت بالتسامُح والاعتراف بالتعدّدية والإيمان بها إيماناً سلوكياً مضموناً بالقوانين فإننا يمكن أن نُعيدها كلها من دون أن نكترث للتجربة التاريخية للعالم المحيط بنا، والنتائج المأساوية والكارثية المريرة التي تمخّضت عنها.

 فصدّام حسين أعاد إنتاج وتكرار التاريخ في (قادسية صدّام) وهي التسمية العراقية الرسمية للحرب العراقية الإيرانية، وهي أول حرب في القرن العشرين اتّخذت طابعاً شوفينياً وطائفياً مُشتركاً وعلنياً ومباشراً بوَصف الإيرانيين المسلمين بالمجوس. فقد اضطّر صدّام إلى تغطية الطابع الطائفي للحرب بالطابع الديني وإطلاق صفَة المجوس مقابل المسلمين، وتغطية الطابع الطائفي لها بالطابع القومي بإطلاق صفة الفُرس مقابل البوابة الشرقية للأمّة العربية. فقد كانت تلك المرحلة مرحلة قومية بالدرجة الأولى، فضلاً عن أن ثمانين بالمائة من القوات العراقية المسلّحة هم من الشيعة ومن مدن جنوب العراق والمحاذي أكثرها لإيران مثل البصرة والعمارة والكوت وخانقين. وقد جرى سَوق مواليد عشرين عاماً تبدأ من ١٩٥٠ وتقف عند عام ١٩٧٠ ما يعني أن أكثر من مليوني شخص قد سيقوا إلى هذه الحرب معظمهم من الشيعة من الفلاحين والعمال وأصحاب الحِرَف والطلبَة الجامعيين وغير الجامعيين والمعلّمين والموظفين الصِغار وكَسَبَة السوق، فيما بدا أنه ومع استمرار الحرب لثماني سنوات إنها ليست حرب استنزاف فحسب وإنما حرب تطهيرية أيضاً كلّفت العراق تدميراً بنيوياً عميقاً عكس آثاره على الدولة والمجتمع في العراق حتى اليوم.

تضمّنت الحرب العراقية الإيرانية جذور الحروب الطائفية القائمة اليوم في الشرق الأوسط، والتي أعادت إلى الواجهة الحروب الصَفوية العثمانية التي تبرز اليوم  في إعادة وتكرار للتاريخ.

لايريد مُخطّطو الحروب الطائفية ومُشعلوها ومُنفّذوها أن يفهموا أن شعارات الحرب بالدفاع عن طائفتهم هي في نفس الوقت دعم لشعارات الدفاع للطائفة الأخرى. فالغارات الوهّابية مثلاً والتي بدأت مطلع القرن التاسع عشر واستمرّت حتى عشرينات القرن العشرين لم تقض على الشيعة (الروافض) بقدر ما شحنت حماستهم للتمسّك برفضهم. فالرّفض سياسي بُنيت عليه عقيدة تاريخية ودينية، ولايستطيع افتراض سياسي مثل دور العلقمي في سقوط بغداد ، مع نسيان كل العوامل الواقعية الأخرى، أن يُلغي الحقيقة التي تتمثّل في أن إعادة الحروب واستعادتها لا تبحث عن الحقيقة وإنما عن تكريس الافتراض والوهم بهدف القيام بعمليات تطهيرية تتميّز بالبشاعة والبربرية والانتقام، إذ تُضفى القُدسية عليها وتصبح عملاً طهرياً بينما هي عمل تطهيري.

تبدو الحروب الدينية وكأنها شغفٌ بالتاريخ إذ تتم استعادته على المسرح بديكوراته وملابسه وأدواته وخطاباته. لكن حروب المِلل والنِحَل والطوائف ليست شغفاً بالتاريخ بقدر ما هي بحث عن مُبرّرات تقفز على الواقع، فتُحال واقعيّتها إلى التاريخ. بَيدَ أن هذا مُرتبطٌ أيضاً بإعادة خرائط ما بعد الحرب العالمية الأولى التي وضعها سايكس وبيكو لضمان عدم بقاء أو ظهور دول قوية قادرة على الحفاظ على استقلالها، وبالتالي قادرة على اتّخاذ مواقف وقرارات سيادية.

وبدلاً من أن تخوض دول سايكس بيكو حروباً جديدة فإنها دفعت دولاً عربية ومنظمات إسلامية وأحزاباً وقوى طائفية وجيوشا أسمتها حرّة وتلاعبت بألفاظ مثل الشرعية والتهميش وحقوق الأقليّات لإدامة هذه الحروب المُدمّرة التي كان هدفها ومايزال هدفاً اقتصادياً وثقافياً عبر الهيمنة السياسية. فداعش كانت (عملية رأسمالية) مباشرة سواء عن طريق تهريب النفط أو بيع البشر او إنعاش تجارة السلاح والمعدّات، وتعويم العملات الوطنية واستباحة الحدود الاقتصادية السياسية للدول كما في العراق وسوريا واليمن وليبيا، وخَلق الظروف المُلائمة للقضاء على ثقافات حضارية عريقة وإحلال ثقافات همجية محلها.

ولأن الغرب لايؤمن بإمكانية قيام ديمقراطية في الدول العربية والإسلامية على الطِراز الأوروبي في الشرق الأوسط فإن خياره هو إحلال الحروب والفوضى بدل الديمقراطية. فالغرب يؤمن أن خيار العرب والمسلمين هو الإسلام ولذلك فإن الحروب الدينية هي وسيلة فعّالة للسيطرة على المنطقة وتدميرها بإسم الإسلام نفسه.

*شاعر وكاتب وأكاديمي عراقي
موقع الوفاق أونلاين

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى