نصرالله يحدّد المخاطر.. والمسؤوليات: «داعش» انتهى

قارب الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله جريمة التفجير في برج البراجنة بكونها نقطة تحوّل في مسار الحرب مع تنظيم «داعش» الإرهابي. سمّى الأشياء بأسمائها، ورسم حدود التحديات وحدد المسؤوليات.

أشار نصرالله الى الخطر المتصاعد الذي شهدنا واحداً من أبشع فصوله في برج البراجنة، ورفع مستوى التحذير نظراً لما كشفته المعطيات واعترافات الارهابيين الموقوفين، والتي تؤكد حجم ما كان يحضره الارهابيون، من الخطورة التي يمكن ان توصل الى كوارث يخطط لها أن تصيب المجتمع اللبناني.

دلّ السيد على الفتنة التي يحيكها الارهاب التكفيري ـ الإسرائيلي الذي بات يتطلّب أسلوباً جديداً في المواجهة الشاملة، والمسؤولية هنا لا تقع على «حزب الله» وجمهوره، بل المسؤولية مشتركة على السنة والشيعة والفلسطينيين والسوريين، لأن سيف الإرهاب يهدّد رقاب الجميع بخلق فتنة ما بين السنة والشيعة، وما بين الشيعة واللاجئين السوريين الذين «مهما كان موقفكم السياسي، فإن وجودكم في لبنان ومصلحتكم ومصلحة لبنان والشعب اللبناني ألا تسمحوا لأي من هذه الجماعات أن تستغل وجودكم أو موقفكم».. وما بين الشيعة والمخيمات الفلسطينية «فالفلسطينيون في المخيمات معنيون بالمساعدة لكشف الشبكات التكفيرية».

واذا كان الأساس في المواجهة هو تكثيف جهد الأجهزة الأمنية على اختلافها، والتنسيق الكامل بينها، فإن تلك المواجهة لا تكتمل الا بـ «الجهاد الأكبر» المتمثل بتنقية الداخل، ومنع وجود بيئة حاضنة للعناصر الإرهابية، وكذلك وقف المنطق التبريري للعمليات الإرهابية الذي يعتمده البعض، فكل ذلك يعطي حصانة للداخل اللبناني، ويمنع الإرهابيين من النفاذ اليه وقتل اللبنانيين.

والأهم هنا، هو ان اية مواجهة للمجموعات الارهابية، ومهما كانت فعالة، تبقى فعاليتها محدودة، إن لم يتم ردع الجهات المحلية والإقليمية والدولية التي ترعى تلك المجموعات وتموّلها وترعاها وتؤمن لها الحماية والملاذ.

لم يكن خطاب نصرالله احتوائياً للفعل الارهابي الاجرامي، ولا تنفيساً للاحتقان الجماهيري، بل كان شفافاً الى المدى الأبعد، فمرحلة السيارات المفخخة التي ذاق مرارتها اللبنانيون، أمكن تجاوزها بجهد أمني مشترك من قبل «حزب الله» ومخابرات الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية. وهنا أعطى نصرالله شهادة للأجهزة على اختلافها بأنها تمتلك القدرة على تحقيق إنجازات. لكن مرحلة «الأحزمة الناسفة» قد تكون أخطر، وتتطلّب أسلوباً جديداً في المواجهة. القلق واضح، ولذلك أعلن فتح افق «حزب الله» على استراتيجية العمل الوقائي الاستباقي، عبر ذهاب الحزب في هذه المواجهة إلى الينابيع وإلى قواعد الإرهابيين، قاطعاً الوعد هنا بأننا سنذهب إلى حيث يجب علينا أن نذهب.

الى جانب ما تقدّم، فإن أكثر ما لفت في خطاب نصرالله السبت، هو نقطتان:

ـ الأولى، إعلان نصرالله أن «داعش» انتهى، وبرغم طابعه الإجرامي الكبير، فهو يخسر بشكل مستمرّ في العراق وسوريا، وبالتالي عمره قصير وسيُهزم، ولا مستقبل له لا في الحرب ولا في السلم.

اكتفى نصرالله بهذا القدر من الكلام، إلا أن لكلامه «تفسيراً» لدى معنيين بالخطاب، وفيه «أننا لو استعرضنا مسار هذا التنظيم الإرهابي، نجد بصماته على طائرة الركاب الروسية، ومجزرة برج البراجنة وبعدها مجزرة باريس وما قبلها في لبنان والعالم، بالإضافة الى الفظائع التي يرتكبها في سوريا والعراق».

كل ذلك يثبت أن «داعش» صار، أو سيصير، عبئاً على صانعيه ومشغليه وموظفيه ومموليه، بل صار خطراً أكبر مما كانوا يقدّرون. اليوم ضرب الارهاب باريس، وربما يضرب غداً أية عاصمة اوروبية اخرى، ورئيس الحكومة البريطانية دافيد كاميرون صاحب المقولة الشهيرة بأنه بات يخشى أن يستيقظ يوماً ويجد «داعش» وقد أصبح على أبراج لندن وفي شوارعها.

تبعاً لذلك، فإن الوقائع الغربية القلقة تشي بأن الأوروبيين لم يعودوا قادرين على التحمّل أكثر، وأن رأياً عاماً دولياً ضد «داعش» بدأ يتشكل، وهذا سيقود حتماً الى اتخاذ هذا العالم مجموعة من الإجراءات لمواجهته وإنهائه. وفي المقدّمة فرنسا التي ستجد نفسها، بعد مجزرة باريس، مضطرة لأن تغادر التردد و«الموسمية» في قتال «داعش»، الى المواجهة العسكرية المباشرة. وهنا لا يجب إغفال الكلام الأخير لوزير الخارجية الأميركية جون كيري الذي قال إن ايام «داعش» صارت معدودة.

وهذه الحرب الجديدة على «داعش»، ستتم حكماً ضمن محور إقليمي دولي، وستصب حتماً في رؤية الرئيس الروسي فلاديمير توتين التي تقول بمكافحة الإرهاب اولاً، ويلي ذلك الحل السياسي في سوريا، وهذا يصبّ حتماً ايضاً، في مصلحة الرئيس السوري بشار الاسد، وكذلك في مصلحة الخط والقوى والمحور الذي يقاتل الى جانب النظام في سوريا منذ خمس سنوات.

ـ الثانية، وهي الشق السياسي في الخطاب، والدعوة المستجدّة للسيد نصرالله للأطراف اللبنانيين الى الاستفادة من المناخ التضامني الذي برز مع جريمة برج البراجنة، لتحقيق تسوية وطنية شاملة تطال رئاسة الجمهورية والمجلس والحكومة. تسوية لا شأن لها بالمؤتمر التأسيسي، بل لتحصين لبنان في مواجهة الأعاصير، خاصة أن العالم منشغل عن لبنان، ونحن اللبنانيين قادرون على أن نحصن بلدنا.

في تفسير المعنيين بالخطاب، أن هذه الدعوة المتجددة، بمثابة فرصة يتيحها نصرالله للانتقال من المأساة الى الحل. وثمة آفاق مفتوحة امام تلك الفرصة ربطاً بالوقائع التي توالت في الأيام القليلة الماضية، كما يلي:
ـ في يوم شهيد «حزب الله»، أطلق نصرالله مبادرة الذهاب الى تسوية سياسية شاملة وحقيقية على مستوى الوطن، تأتي نتيجة حوار حقيقي حول موضوع انتخابات الرئاسة، ورئيس الحكومة وتركيبة الحكومة وقانون الانتخاب.

ـ فُهم من هذه المبادرة، أنها لا تتضمّن «فيتو» على سعد الحريري رئيساً للحكومة، فتلقفها تيار «المستقبل» إيجاباً. وبدأ نقاش جدي داخل التيار في كيفية التجاوب مع فكرة التسوية الشاملة. ولعل توصيف وزير الداخلية نهاد المشنوق لكلام نصرالله بأنه جدّي ومسؤول، إشارة شديدة الوضوح على موقف «المستقبل».

ـ حصل التفجير الإرهابي في برج البراجنة، وخلق الدم عاصفة من التضامن الوطني. القوى السياسية، ومن ضمنها تيار «المستقبل»، بادرت إلى اتخاذ موقف تضامني مع الضحايا وضد الإرهاب. وأول دلالة على إيجابية المستقبل، هي أنها المرة الأولى التي لا يُقال فيها لـ «حزب الله»، إننا «متضامنون مع الضحايا، ولكن ما كانوا ليسقطوا لولا تدخلكم في سوريا». كما ان الدلالة اللافتة تجلت في موقف الحريري نفسه الذي اعتبر أن مجزرة برج البراجنة، «جريمة موصوفة بكل المعايير وعمل دنيء لا تخفّف من وطأته أية ادعاءات أو اتهامات»، وهو كلام اعتُبر أكثر من إيجابي.

ـ المعطيات المتوافرة لدى قوى سياسية فاعلة، تقول إن مبادرة نصرالله محل ترحيب، وإن هناك فرصة كبيرة وآفاقاً مفتوحة للوصول الى تسوية داخلية. فالإيجابيات الجدية تعتري موقف الحريري، لكن العبرة تبقى في ترجمتها بردٍ إيجابي مباشر على دعوة نصرالله. وفي هذا الجو، ثمّة مَن يتوقع أن تكون الأيام القليلة المقبلة، حبلى باتصالات ولقاءات، ورسائل إيجابية متبادلة من قبل سائر الأطراف، سعياً الى تسوية شاملة، خاصة أن هذا المنحى مؤيَّد من القوى الخارجية.

نبيل هيثم | السفير

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى