نصف قرن على إحراق المسجد الأقصى… والجريمة مستمرة!

تهويد الجغرافيا والتاريخ وتغيير الوقائع والحقائق على الأرض

يصادف يوم الحادي والعشرين من آب هذا العام  الذكرى الثالثة والأربعين لحرق المسجد الأقصى ، ففي صبيحة 21/8/1969 استفاق أهالي مدينة القدس على أصوات استغاثة، كان المسجد الأقصى يحترق، بعدما قام المجرم اليهودي مايكل دينس روهان استرالي الجنسية  بحرق محتوياته، وقد أتت النار على منبره الخشبي القديم المتميز الذي صنع في مدينة حلب السورية، وأهداه القائد صلاح الدين الأيوبي إلى القدس، وزعم الكيان الصهيوني أن مايكل روهان معتوه، وبعد إحراق المسجد الأقصى قالت غولدا مائير، وكانت آنذاك رئيسة وزراء الكيان: “لقد حزنت… وفرحت، حزنت لأنني توقعت أن إسرائيل ستزول من الوجود وتحرق… أي أن العرب والمسلمين سينتقمون ويحرقون إسرائيل، وفرحت لأن ذلك لم يحدث… بل الذي جرى هو الشجب… والإدانة… والاستنكار من العرب والمسلمين ومن العالم أيضاً، وهذا عهدي بهم… وهذا لا يخيفنا… فعرفت أن إسرائيل باقية وهذا سر فرحتي“.

هذه المقدمة أراها ضرورية لسببين أولهما: إحياء للذكرى، وثانيهما: للتأكيد على أنه رغم مرور 51 عاما على حريق الأقصى إلا أن النيران لا تزال مشتعلة بعدة أوجه من خلال تهويد المسجد الأقصى ، والحفر أسفل المسجد والاقتحامات اليومية التي يقوم بها اليهود المتطرفون، وإغلاق أماكن العبادة، وحرمان الفلسطينيين من الصلاة فيه، والتضييق على المقدسيين، وهدم بيوتهم، ورفض منحهم تراخيص لترميم بيوتهم، في محاولة لإفراغ المدينة من سكانها العرب… كل ذلك فضلا عن اعتداءات المستوطنين اليهود على الفلسطينيين وقتلهم وحرق عائلات بأكملها…

منذ الحريق الإجرامي، تواصل إسرائيل ذبح القدس على مسمع ومرأى من أكثر من مليار مسلم وأكثر من 700 مليون عربي. أصبح عدد المستوطنين أكثر من عدد المقدسيين والفرق آخذ بالازدياد، لأن الاحتلال يدمر منازل الفلسطينيين ولا يسمح لهم بالبناء ولا حتى ترميم ما يحتاج إلى ترميم. الاحتلال يضيق الخناق على المقدسيين يحاربهم في مسكنهم ولقمة عيشهم وزواج أبنائهم ويفرض عليهم ضرائب باهظة ويجردهم من بطاقة هوياتهم، لترحيلهم من مدينتهم وإسكان مستوطنين مستوردين من شتى بقاع الأرض، أما المسجد الأقصى فالحفريات تحته حولته إلى مبنى معلق في الهواء أي زلزال بدرجة واحدة على مقياس ريختر أو تحليق طائرة تخترق حاجز الصوت سيهوي من دون أن يخترق العرب حاجز الصمت.

المؤسف أن هذه الذكرى الأليمة لم يعد لها ذلك الوقع الواجب إيمانيًّا وعقديًّا وقوميًّا، بما يمثله ذلك من التزام أدبي وأخلاقي وعربي وإسلامي ليحييها جميع العرب والمسلمين، وإنما غدت مجرد ذكرى عابرة لا تكاد تذكر في نشرات الأخبار، بل وتتعمق جراح النسيان مع اقتصار إحيائها على الشعب الفلسطيني.

هذه الذكرى المؤلمة، لم ولن تكون الجريمة الأولى والأخيرة، وإنما تأتي في إطار السلسلة المتواصلة من عمليات التدنيس والتهويد الصهيونية الممنهجة ضد المسجد الأقصى، وبينما تستمر هذه الاعتداءات غير المسبوقة يتم سوق الفلسطينيين إلى مفاوضات تحت حراب الاستيطان والتهويد، وكل إرهاصاتها تشير إلى أنه يراد منها أن تكون اللحظات الحاسمة والمصيرية في ترتيب نهائي وبرعاية أميركية لصالح الاحتلال الصهيوني، يعلن فيها النهاية الحقيقية لـ القضية الفلسطينية، بحيث تتحول إلى ذكرى جديدة كذكرى النكبة و إحراق المسجد الأقصى وإحراق الحرم الإبراهيمي وغيرها، ومما يلاحظ أن هناك سباقًا نحو الزمن لاستغلال الراهن العربي المتضعضع تحت ضربات الفوضى الأميركية الخلاقة للوصول إلى الهدف الصهيو ـ أميركي المنشود.

إذن، لم تكن جريمة إحراق المسجد الأقصى سوى البداية لمخطط شامل يستهدف القضية الفلسطينية برمتها، ينطلق من الاستيلاء على القدس والمسجد الأقصى، فليس مدهشًا أو مفاجئًا امتلاك الجماعات اليهودية المتطرفة المنادية ببناء “المعبد” مكان المسجد الأقصى جماعات ضغط فاعلة ومؤثرة، سواء على مستوى قطعان المستوطنين أو على مستوى المواقع القيادية في حكومة الاحتلال وبرلمانه، وتنامي الدعم الحكومي لهذه الجماعات المتطرفة، والزعم بحق قطعان المستوطنين بالصلاة في المسجد الأقصى.

وإذا ما تقصينا ملابسات كل جريمة اعتداء على حدة، لوجدنا تشابهاً في الأهداف وسلوك القيادة الإسرائيلية التي تسارع للتأسف بعد كل حادث، ثم تبادر إلى تشكيل لجنة أو عقد محكمة كوسيلة لامتصاص غضب الرأي العام العالمي والمحلي، ثم تدفن الجريمة في غياهب التاريخ، ولهذا فإن تكرار الاعتداءات وأسلوب تعامل القيادة الإسرائيلية معها يثبتان وجود نهج نابع من التوجه العام للحركة الصهيونية تجاه الأماكن المقدسة، والهدف المشترك لكل الاعتداءات كان ومازال فرض الطابع الذي يسمى “يهودياً” على المدن والأماكن العربية المقدسة فيما يعرف بــ”التهويد” بهدف طمس معالمها الإسلامية والمسيحية ثم ضمها إلى قائمة ما يسمى “المواقع التراثية اليهودية”. فالنهج الإسرائيلي يحفز على الاعتداء على الأماكن المقدسة إلى أقصى حدٍّ، تلك الاعتداءات التي توصف فيما بعد بالخطأ أو سهو وقع على مستوى وحدات قتالية دنيا أو أفراد يمكن وصفهم فيما بعد تنفيذ الجريمة بالمجانين.

في ذكرى محاولة تدمير الأقصى وإحراقه، نقول بأن قضية القدس، تَمس الإنسان، والأرض والعقيدة عند المسلمين والمسيحيين، والصراع عليها أبعد من صراع حدود، ترسمها التصورات الإسرائيلية. وعلى ضوء واقعها الحالي، وتواصل الاعتداءات على الأقصى من قبل مجموعات المستوطنين والمتطرفين تحت رعاية سلطات الاحتلال، ووقوع عمليات القضم المُتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الاستيطاني التهويدي الجائر، فإن مهمات فلسطينية وعربية وإسلامية عاجلة تتطلب التحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة على كل المستويات بدءا من تنشيط صندوق القدس لدعم المدينة ومؤسساتها الفلسطينية وعموم مواطنيها، والتحرك الفعّال وداخل الأطر الدولية من أجل إنقاذ الأقصى والإرث الحضاري الكبير الإسلامي والمسيحي في المدينة، وحمايتها من سرطان التهويد الزاحف. كما في ضرورة تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والإسلامية بالشكل المطلوب والمرتجى، ومغادرة لغة البيانات اللفظية، لوقف هذا الجنون الإسرائيلي الصهيوني بحق الأقصى والمقدسات الإسلامية، وضرورة تنشيط التحالف بين عشرات المؤسسات المدنية العاملة في مجتمعات الأسرة الدولية لأجل نصرة فلسطين والأقصى المبارك بشكلٍ خاص.

 إن كل ما جرى ويجري من سياسات ومحاولات، تستهدف محو الذاكرة العربية والفلسطينية وإخراج قضية فلسطين والقدس من التداول، وجعلها في ذيل الأولويات الوطنية والقومية، سواء على الصعيد الشعبي أم المؤسساتي، لن يكون لها نصيب من النجاح، فقضية فلسطين وفي قلبها مدينة القدس ستبقى راسخة في وجدان وضمير ووعي أبناء الأمة، فهي ليست ورقة قابلة للاستثمار والبيع في بازار السياسة وإنما قضية شعب لا يعرف الهزيمة أو الخوف والخنوع والاستسلام… لذلك يجب ألا نتردد أبداً بأنّ نصف الخائن بالخيانة حتى وإن نطق باللغة العربية، ولا يوجد مكان اليوم للمناطق الرمادية ولا يجب أن نقبل على الإطلاق أن الخيانة وجهة نظر، والأمة بمسيحييها ومسلميها مطالبة بإيجاد السبل للقضاء على الواقع الذي فرضه كيان الاحتلال الاسرائيلي لأن المسجد الأقصى هو عقيدة الأمة العربية والإسلامية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى