هؤلاء من ذبحهم حزب الله في سورية

قبل البدء بقراءة هذا المقال عزيزي المهتم، لا بدّ وأن تحدد موقفك من النقاط التالية:

١- يقول آباء علم المجتمع إن الناس ثلاثة أجناس:

– رعاع ينجذبون إلى الكلام العاطفي ويتأثرون بالمجتمع, وما يسير به عامة الناس, وتحركهم كلمات تستهدف الغريزة لا العقل.
– عقلاء لا ينجذبون إلا إلى كلام عاقل, عليه براهين وبينات ووقائع مثبتة.
– مفكرون يقرؤون فيستنبطون الأفكار مما يعقلون من كلام من سبقهم, وكلام من يماثلهم في القدرة والخلق.

فمن أي الأنواع أنت يا قاريء هذه الكلمات؟

٢- ليتقبل المرء كلاماً عقلانياً يورده هذا المقال, يجب على المهتم أن يقرأ الحلقة الأولى منه, وإلا فإنه ملول عجول لا ينفعه كلام المقال هذا, وهو يضيع وقته في أمر لن يستوعبه كله. لا لأن كاتب هذه الكلمات يفهم أكثر من القاريء فيما يكتبه, وإنما لأن للكلام العقلاني أبواباً لا يفتحها المرء بالكسر, بل بالفهم نقطة نقطة …وهذا المقال تابع لنقاط سبقته. فلا يفهم جله إن لم يُقرأ كله.

٣- هل أنت عزيزي القاريء ممن يعلمون بأن الكتّاب لا يعلمون؟؟ وأن أساس معرفة حقيقة كلامهم يستند لا إلى مصداقيتهم, بل إلى عقلك والقياس. عقلك أنت وقياس الأمور من قبلك على المنطق, ومقارنتها بالوقائع في استعادة متأنية لما كان من أحداث.

هنا رابط الحلقة الأولى …ولن يتكبد عناء قراءتها إلا النوعان العقلانيان من أبناء مجتمعنا.

في الوقائع: هل يقاتل حزب الله في سورية ضد أهل السنة؟؟ إذاً لماذا لم يقاتلهم في فلسطين؟

وإذا كان الأميركي يعترف أن حزب الله رفض أربعين ملياراً من الدولارات مقابل تسليم سلاحه عام ٢٠٠٠ للدولة, ورفض حكم لبنان مقابل التخلي عن قضية فلسطين (السنية) والمقاومة الفلسطيينية السنية التي هزمت إسرائيل تعترف بأن من سلحها ودربها هو حزب الله، فكيف يقاتل حزب الله السنة في سورية ويدعمهم في فلسطين؟

ومن هم أهل السنة في سورية؟؟

الذين تظاهروا ضد الأسد في دمشق (مئات) أم ملايين أربعة من السنة الدمشقيين, الذين اعتبروا ملاذهم في دولة يرأسها بشار الأسد؟؟ ويتحالف مع حماتها حسن نصرالله؟

أم هم سنة نصرة إسرائيل في الجولان, وذباحو السنة في إدلب والرقة ودرعا من دواعش وأشرار الشام, وآخرين لهم شعبية لا تكاد تذكر مقابل شعبية حزب الله بين أهل السنة في سورية, سواء في حلب أم في درعا أم في حماة أم في حلب, التي ما خرج من بين ملايينها السبعة إلا بضع مئات تظاهروا في مناسبات متفرقة, بينما خرجت تلك الملايين من مناطق المسلحين الوهابيين التكفيريين إلى مناطق السلطة التي يحالفها حزب الله. فهل السنة في حلب غير السنة الذين يقتلهم حزب الله, وقد تطوع منهم اكثر من مئتي الف الجيش السوري خلال الازمة ؟ وتطوع منهم نصف مليون في قوات الدفاع الشعبي, بينهم اثنا عشر الفاً فقط في مناطق مدينة حلب التي أشرف على تدريب المدافعين عنها خبراء من الجيش السوري ومن حزب الله!

سنة سورية الذين يزعم الإعلام التكفيري المتصهين في الخليج ولبنان أن حزب الله يقتلهم, لماذا تتجمع قواهم المقاتلة الكبرى خلف السلطة السورية لا خلف داعش, ومع حزب الله لا مع النصرة؟

سؤال لا يجيب عنه إلا التاريخ ومن يُرِدْ أن لا تسبى ابنته على يد الدواعش, وأن لا تباع شقيقته على يد أتباع الخرافات والسخافات الإجرامية باسم الاسلام والوهابية التكفيرية, عليه أن يفهم أصل المشكلة, ليعرف أن الحل هو في القتال مع الإنسان ضد البهائم التكفيرية, سواء كانت البهائم المتخلفة سنية الأصل, وصارت وهابية تكفيرية, أو كانت شيعية وصارت تكفيرية بهائمية مشابهة.

١- سقوط عامل الخوف من إسرائيل وهزيمتها عام ١٩٨٥ على يد المقاومة في لبنان أدى إلى هلع عند الإسرائيليين الذين حمت وجودهم كذبة قواهم الخارقة السوبر مانية. فظهروا ضعافاً, يموتون وينهزمون, وظهر المقاتل العربي اللبناني عملاقاً جباراً, وأمه ترمي الزيت المغلي على الإسرائيليين, فأعجب الأمر الفلسطينيين, فتعلموا منه بعد أن علموه لآباء المقاومين في أبجديته الأولى.

٢- أدى انهزام الأطلسي من بيروت, وهروب الأميركيين من عماد مغنية ورفاقه وهم ثلة إلى تقديم نموذج للعرب حول وسائل رخيصة للقتال لتحرير فلسطين. فصار خطر المقاومة اللبنانية وجودياً على الكيان الإسرائيلي, إذا ما انتقلت عدوى الرغبة في قتال إسرائيل بتلك الوسائل الرخيصة إلى فلسطين, وإلى كل دولة عربية محاذية لها.

٣- ظهرت عظمة المقاومة عند هروب إسرائيل وانسحابها من معظم الاراضي التي احتلتها بسهولة عام ٨٢ . وتلك العظمة ضمنت للسوريين حربهم الأهلية, وضمنت للعرب قيام حروب مذهبية فيما بينهم, لأنها الطريقة الوحيدة لمنع انتقال التأثير اللبناني (حزب الله) والإيراني (المقاوم للهيمنة الاسرائيلية والأميركية) إلى الشارع العربي من المحيط إلى الخليج. لأنه لولا سورية ما انتصرت التجربة, ولا صار لإيران خط تماس مع إسرائيل. وبالتالي ضرب سورية بالمذهبية أسهل من القضاء على حزب الله, وهي مهمة فشلت في ٢٠٠٦.

وكما جرى قمع الصعود الإيراني الثوري عام ١٩٧٩ بحرب صدام حسين على إيران بغرض إشعال فتنة عربية فارسية, رأى الغرب خلال سنوات تلك الحرب أن التأثير المذهبي لصدام حسين (السني) أفضل لأهداف الأميركيين من (عروبته المزعومة) فتحول الرجل في آخر أيامه إلى مقاتل للصفويين لا للفرس. مع ما للكلمة (صفويين) من ذكرى في نفوس أهل السنة, إذ أن الصفوية هي التي حولت إيران, وأغلب العراقيين من المذهب السني إلى المذهب الشيعي, مع تبدل الملوك والحكام, وتبنيهم للمذاهب التي تناسب أهدافهم السياسية.

٤- في الوقائع أيضا، بروز قرار أميركي بنشر المذهب الوهابي في كافة أرجاء العالم الإسلامي, وخاصة في الأوساط المسلمة في الغرب عبر المال والدعاة السعوديين. حصل ذلك كوسيلة أميركية لصد التقدم السياسي الإيراني, ولوقف التعاطف السني العربي والسني الاسلامي مع إيران الخمينية. إيران التي تزيل إسرائيل بسطل ماء يرميه مسلم – كل مسلم على إسرائيل, كتعبير مجازي من قادتها عن قدرة توحيد المسلمين على مصير فلسطين والعرب والمسلمين في العالم . فصار للسعودية وظيفة هي وقف المد الإيراني الإسلامي بالتكفير والفتنة الوهابية, التي تختزن تكفير كل من ليس وهابياً من بين المسلمين, وكل إنسان غير وهابي من بين غير المسلمين.

تحويل عدد كاف من المسلمين إلى الوهابية لنشر الفتنة السنية الشيعية أمر استلزم لتحقيقه عقوداً. إذا كان عدد الوهابيين في سورية مثلا عام ١٩٧٩ أقل من عشرة آلاف شخص, يتخفون في المهاجر, وصاروا في عام ٢٠١٠ أقل من مليونين بقليل. وبعض المناطق الريفية حكر على مذهبهم التكفيري الذي استفاد دعاته من الدعاية السعودية المتلفزة بخصوص تشيع مزعوم, فصار الأمن السوري يتغاضى عن التوهيب حتى لا يقال إنه يحارب أهل السنة ويسامح بنشر التشيع. فحول الدعاة الوهابيون، والمال الممنوح لهم والقنوات المسخرة في خدمتهم والتسهيلات الغربية والإعلام المساند ، انتشاراً مذهلاً مع بنائهم لمئات المراكز الدينية والمدارس التعليمية الفقهية في كل بلد ومدينة. حتى لم تعد تخلو مدينة في العالم من مركز لنشر الوهابية. وصار المذهب الذي يعتنقه بعض أهل نجد المذهب الأكثر انتشاراً والأسرع توسعاً في العالم, خصوصاً في باكستان وأفغانستان والشيشان, ودول آسيا الوسطى, وفي أوساط الجاليات الإسلامية في أميركا وكندا واستراليا واوروبا, خصوصاً فرنسا وبريطانيا. تحولاً مذهبياً طال عشرات الملايين من أهل السنة والجماعة في مناطق لم يكن فيها للوهابية وجود. وفي مصر التي تعتبر أم الصوفية ومعقلها, صارت الوهابية فيها هي الدين الثاني بعد الإسلام السني لناحية الانتشار والعدد. انتشار يبدأ بالمال والطبابة والجمعيات الخيرية التي تحمل نوايا خبيثة, ولا تنتهي بقنوات إرهابية تنشر الفكر الوهابي, وتلوث عقول البسطاء بالتكفير.

مضى حتى الان ٣٦ سنة من عمر العمل الأميركي – السعودي – الإسرائيلي على محاربة النموذج الإسلامي الإيراني الثوري المحارب للغرب، والمعادي لإسرائيل، بالوهابية. عمر أنتج ما نراه في سورية والعراق وباكستان وأفغانستان, وفي كل بلد إسلامي للوهابية فيه وجود.

٥- جاء انتصار العام ٢٠٠٠ في لبنان على الصهاينة ليعلي من القيمة الاستراتيجية لنموذج حزب الله, ولم تكن الأرضية العربية والإسلامية جاهزة لقيام الفتنة.

٦- جاء العام ٢٠٠٦ ليثبت أن حزب الله لا يقهر, لا بأسلحة ولا بضغوط. ولم يبقَ عند الإسرائيلي إلا الفتنة التي بدأ الغرب يعد العدة لها بدعم القنوات الوهابية مالياً وقانونياً. فظهرت قنوات تدعو إلى الذبح والقتل من لندن وباريس وحتى في كابل أميركا. وتلتها مئات القنوات المماثلة من على أقمار أوروبية تبث لصالح الخليجيين وبالمال الخليجي.

الفرق بيننا وبين الإسرائيليين أنهم يخططون لعقود, ونحن نتصرف في العادة بردة الفعل. لذا هم فهموا معنى انسحابهم تحت ضربات المقاومة من أراضٍ عربية, وبدؤوا البحث عما يفصل القوة الصاعدة في لبنان عن وجدان العرب جميعاً, وعن أهل فلسطين خصوصاً.

فكان لا بد من سلاح أمضى من السلاح, ألا وهو الفتنة الشيعية السنية، لذا وحين اكتشف الإسرائيليون مبتغاهم أعدوا العدة وسخروا عبر الأميركيين العرب وخليجييهم للعمل على هدف واحد وحيد: فصل المقاومة وتأثيرها عن المتلقي العربي, لئلا يصبح كل عربي مقاتلاً, كما مقاتلي حزب الله ضد إسرائيل من المحيط إلى الخليج.

كان المتوقع أن تصبح روح المقاومة في وجدان كل عربي, فيتمثل بها, فصارت إسرائيل عوناً, والمقاومة فرعوناً في وجدان كثيرين من الشعب العربي، بالفتنة المذهبية التي عملت عليها إسرائيل بالتخطيط وأميركا والخليجيين العرب بالتنفيذ والتمويل. فوصلنا إلى حرب الأميركيين على العراق، لا على صدام. فجاء التنفيذ متقناً…. فصار الشيعي عميلاً في نظر العرب, والسني مقاوماً. وتبين أن المقاوم السني ليس سوى أبي مصعب الزرقاي, وصار الزرقاي رمز البعثيين بعد مقتل صدام. ومات الزرقاوي فصارت داعش الممثل الحصري والوحيد للسنة العراقيين, وصار الدواعش أكثر تأثيراً في سنة العراق من تأثير مقاومة لبنان بهم. فصار النموذج عند السنة العرب هو أبو مصعب الزرقاوي الذباح, لا حسن نصرالله أبو المقاومة ورمز انتصارها. وصارت داعش لا حزب الله هي وجدان أغلبية أهل السنة في العراق. فصار سنة العراق إما وهابيون, وإما عشاق للوهابيين باسم مقاومة الشيعة والاحتلال.

من هنا بدأت الثورة الثورية.

من هنا دخلت إسرائيل لتعيد احتلال لبنان في المستقبل بعد تدمير سورية بالمذهبية. ولهذا تساعد إسرائيل الوهابيين التكفيريين بالسلاح والطبابة, ولهذا ترى مئات الجرحى من جبهة النصرة أي من تنظيم القاعدة يعالجون في تل ابيب, ودواعش يكفرون كل البشر يعالجون ويمرون مرور الأبطال من تركيا وفي تركيا.

تطلب الأمر ثلاثة عقود ونيف لتعود إسرائيل من شباك الفتنة لا لتحتل لبنان, بل ليحتل الخراب كل العالم العربي, وخصوصاً في سورية.

لهذا ذهب حزب الله إلى سورية, لا ليقتل السنة, ولا ليقاتل مع نظام ضد شعبه, بل ليقاتل ضد إسرائيل …سواء كان اللواء الذي يقاتلنا هو جفعاتي أو غولاني (أو نصرة بقيادة الجولاني وداعش بقيادة البغدادي) كلهم إسرائيليون للأسباب التالية:

١- لأنهم يحققون أهداف إسرائيل بغباء قاعدتهم, وبعمالة قيادتهم

٢- ليس لحزب الله أهداف إسرائيلية ولا شيعية ولا فارسية, ولو أراد تحقيق مكاسب للشيعة لتخلى عن فلسطين عام ٢٠٠٠ ولقبل عروضاً أميركية حملها إليه بان كي مون وآخرون, قوامها منحه كل المناصب الشيعية في لبنان, وتبديل مذهب رئيس الحكومة من سني إلى شيعي, مقابل الإعلان عن نهاية الحاجة للسلاح والمقاومة, وترك قضية فلسطين لأهلها.

٣- تخلى حزب الله عن شيعة الأميركيين في العراق, وتخاصم معهم وساعد بعثيين وقوميين عرب من السنة قاتلوا الأميركيين.

٤- تملك داعش علاقات جيدة جداً مع الأطلسي الذي يقول إنه يحاربها, وتمر كل أموالها من بنوك تركيا الأطلسية, وكل أسلحتها تصل من تركيا الأطلسية, وكل مقاتليها الأجانب تستضيفهم تركيا الأطلسية قبل أن ينتقلوا إلى العراق أو إلى سورية.

٥- قتال حزب الله في سورية يجري من باب المساعدة والاستشارات والعون للجيش وللشعب السوريين, وأغلبهم من السنة بحكم أن أغلبية السوريين سنة. والفرق في سورية هو بين تكفيريين وعملاء طائفيين ووطنيين سنة وعلويين ومسيحيين ودروزاً وشيعة.

هكذا تثبت الوقائع أن حزب الله في سورية لا يقاتل السنة, بل يقاتل كي لا يصبح أهل السنة تحت الاحتلال الداعشي التكفيري الذي به تحقق إسرائيل هدف الاحتلال المباشر لبلادنا بعد تدميرها بالإرهاب.

* خضر عواركة – انباء اسيا

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى