هل إختارت إسرائيل الإسلام التركي

منذ قيام الثورة في 1979 تحولت الجمهورية الإيرانية إلى حجر عثرة يمنع قيام إسرائيل الكبرى في المنطقة . وسرعان ما حولها المذهب الشيعي إلى دولة ذات نفوذ كبير في منطقة الخليج تحديداً حيث يعتنقه الملايين من إخواننا في الإسلام . وبديهي أن التمدد الإيراني يعد إنحساراً للنفوذ والتمدد الإسرائيلي . ثم جاء سقوط الإمبراطورية السوفيتية ليضع أمريكا على عرش العالم ، ويهيئ لربيبتها إسرائيل أن تتحول إلى قوة إقليمية كبرى . وبعد عقدين من الإنفراد الأمريكي بالعالم ، وكالمعتاد بعد كل حرب عالمية سعى المنتصر لإعادة صياغة العالم وترسيم حدوده ، والسيطرة على ثرواته والتحكم في مداخله ومخارجه وإزاحة القوى الإستعمارية القديمة .. فكانت موجات الربيع العربي التي ساعدت أمريكا على قيامها وساعدت أيضاً على إهدار نتائجها . وقد ضربت الجمهوريات تحديداً وتركت الممالك ترتجف وتستغيث بإسرائيل وتذعن لرغباتها حماية لعروشها .

فتوقف الربيع العربي على أبوابها ورسخ قاعدة سياسية جديدة حكمت المنطقة وهي “التطبيع مقابل العرش” . وينطبق هذا على دول الخليج بدرجات مختلفة ، كان أقلها في الكويت وأشدها في الإمارات حيث الأسرة الحاكمة إندفعت للتطبيع بجموح وشبق سياسي منفلت . وتوجت العلاقات السرية بعقد شرعي تم توقيعه بين العاشقان في 15 سبتمبر 2020 بإسم إتفاق “أبراهام” . وهو لم يكن إتفاق سلام بالمعنى المعروف حيث لا توجد أي مواجهات بين البلدين ولا تشكل أحداهما تهديداً للأخرى . ومن هنا فإن الإتفاق هدفه تهديد إيران بالدرجة الأولى حيث أتى إليها بإسرائيل لتتواجد عسكرياً في الخليج . وما يزيد الخطورة على إيران هو أن معظم حقولها النفطية وموانئها المهمة ومفاعلاتها النووية تم تشييدها على سواحل الخليج . وهو ما يضع الجيش الإسرائيلي على بعد كيلومترات معدودة من منشآت إيرانية إستراتيجية . وبهذا الإتفاق فقد بلغ التمدد الإسرائيلي مستويات غير مسبوقة غيرت كل الحسابات الجيوسياسية أمام القيادة الإيرانية . فتقليدياً كانت إيران تعتمد على خنق العدو الصهيوني من جنوب لبنان وغزة وسوريا ، فينشغل بنفسه وبأمنه المهدد من ثلاث جبهات . فيما تبقى إيران بعيدة عن التهديد الصهيوني . والآن بعد وصول العدو الصهيوني إلى مياه الخليج إنتقلت الجبهة من حدود إسرائيل مع سوريا ولبنان وقطاع غزة ، لتصبح على ابواب إيران . وهو ما يدعو الجمهورية الإسلامية في طهران لإعادة صياغة العقيدة العسكرية وخطط الدفاع الإستراتيجي للتعايش مع الوضع الجديد . والذي يمثل موقفاً جيوسياسياً وعسكرياً دقيقاً للغاية خلقته الإمارات للجمهورية الإيرانية .

وفي إطار التعاون العسكري بين الإمارات وإسرائيل ، أفادت هيئة البث الإسرائيلية “كان” في 21 ديسمبر 2020 “نقلاً عن مصادر مخابراتية عربية : بأن غواصة إسرائيلية عبرت قناة السويس متجهة إلى الخليج . وأضافت “كان” أن هناك إستعدادات إسرائيلية مضاعفة لأي رد إيراني إنتقامي على خلفية إغتيال العالم النووي محسن فخري زاده منذ 3 أسابيع ؛ والذي إتهم به الموساد الإسرائيلي ” .

وننوه إلى أن التهديد الإسرائيلي بدأ خلال العامين السابقين على هذا الإتفاق ، حيث أشارت تقارير غير رسمية لوجود تحركات لغواصات مجهزة بصواريخ ذات رؤوس نووية في مياه الخليج العربي . وفي العام الماضي أكد قائد سابق في البحرية الإسرائيلية هو “ديفيد بن شبت” : إن الغواصات الإسرائيلية تتحرك في مياه الخليج العربي وأن لديها القدرة على القيام بعمليات بعيداً جداً عن مياه بلادها . وقد علق وزير الدفاع الإيراني “أمير حاتمي” بأن : هذا النوع من التدخلات سيؤدي إلى إندلاع الحرب” . وخلال جلسة للجنة الشئون الخارجية والدفاع في الكنيست قال يسرائيل كاتس عضو الكنيست عن التعاون بين إسرائيل والإمارات : إنه تعاون إستراتيجي عظيم بالنسبة لإسرائيل ؛ فإذا أصبحت الضربة العسكرية ضد إيران أمراً ضرورياً فإننا نعرف حينها من أين يمكن للقوات الإسرائيلية أن تطلق طائرات F35الرائعة . لقد قامت هذه الطائرات بجولات تدريبية في سماء إيران من قبل دون أن تلاحظ إيران ذلك .

  • خسائر إيرانية على كل المستويات :

خسائر إيران نتيجة هذا الإتفاق لا تتوقف وإمتدت بعد العسكرية والأمن القومي إلى مجالات أخرى كالإقتصاد وطرق التجارة .. حيث بات ممكناً لتل أبيب أن تعطل التبادل التجاري الإيراني الإماراتي والذي يصل إلى 13,5مليار دولار وفقاً لما ذكرته منظمة الجمارك الإيرانية في إبريل 2020 . حيث تعد الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين . كما أن إيران غير قادرة على خسارة مدينة دبي كطريق لتجارتها الخارجية خاصة بعد العقوبات الأمريكية عليها . يذكر أنه عقب الإعلان عن التطبيع أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في 19أغسطس 2020 فرض عقوبات على شركتين مقرهما الإمارات . وستواجه إيران تهديداً تجارياً إذا إنتهت شراكتها التجارية مع الإمارات ، حيث يوجد أكثر من 3000 شركة إيرانية .

المواقع اليمنية التي تضمن للتحالف الإسرائيلي / الإماراتي السيطرة على مدخل البحر الأحمر
المواقع اليمنية التي تضمن للتحالف الإسرائيلي / الإماراتي السيطرة على مدخل البحر الأحمر

ومن ناحية السيطرة الإقليمية تناول موقع نيتسف الإسرائيلي مؤخراً ما قالته مصادر يمنية من أن : “وفداً من ضباط الإستخبارات الإسرائيلية زار مؤخراً جزيرة سقطرى برفقة ضباط من المخابرات الإماراتية لفحص مواقع مختلفة لتأسيس قواعد إستخباراتية . وبحسب المصادر فإن الإختيار قد وقع على منطقتي “مومي” و “قطنان” شرقي وغربي الجزيرة . كما يوجد بهما سلاسل جبلية عالية تسمح بالتحكم في طرق الملاحة الدولية التي تمر عبر المنطقة . وتتميز المنطقتان طبوغرافياً بسهولة جمع المعلومات الإليكترونية عن جنوب اليمن والخليج العربي وخليج عدن و مضيق باب المندب والقرن الإفريقي .

وفي ذات السياق قال موقع “ساوث فرونت” الذي يهتم بالشئون الإستخباراتية وتحليل المعلومات أن الإمارات وإسرائيل تعتزمان إنشاء بنية تحتية إستخباراتية في جزيرة سقطرى . مشيراً إلى أن الإمارات سعت منذ سنوات للسيطرة على الجزيرة بسبب موقعها الإستراتيجي ، وكان إنشاء بنية تحتية خطوة منطقية في هذه الإستراتيجية . وعلى موقع N12 كتب “إيهود يعاري” المحلل الإسرائيلي المتخصص في الشئون العربية حول الوضع في سقطرى قائلاً : “إن الإمارات تقف خلف سيطرة المجلس الإنتقالي الجنوبي على الجزيرة ، وطرد المحافظ رمزي محروس ، كما أن الإستخبارات الإسرائيلية تتابع الوضع في سقطرى – لؤلؤة الطبيعة – بفضول كبير” . وذكر يعاري أن حاكم الإمارات محمد بن زايد يفضل في هذه المواجهة الإعتماد على مساعدة الميليشيات التي يجندها ، كما يرى أن سقطرى تعد حلقة من سلسلة القواعد العسكرية التي يؤسسها في البحر الأحمر القاعدة العسكرية في ميناء المكلا ، وقاعدة بربرة في صومال لاند ، وقاعدة عصب في أريتريا .

والواضح أن التعاون الأمني بين الإمارات وإسرائيل قد جعل من الأخيرة شرطي المنطقة . وبذلك ينتهي الصراع العربي الصهيوني ويحل محله النزاعات الطائفية والعرقية والحرب على إيران ، ودعم إستقرار الأنظمة الفاسدة والمستبدة ، ومتابعة الحرب على التيارات الإسلامية وقوى التغيير الحضاري والنهضوي في المنطقة .

  • مكاسب تركية وتوسعات ونفوذ :

وبعد الموقف التركي الرافض والمندد بإتفاق التطبيع والتهديد بقطع العلاقات مع الإمارات توقع بعض المراقبين أن ينشأ حلف إيراني / تركي ، لمواجهة الحلف الإماراتي / الإسرائيلي فتركيا هي البديل أمام الشركات الإيرانية . حيث تستطيع العمل منها والإستمرار في إرسال البضائع إلى إيران . ويصبح الجار الأقرب “تركيا” حليفاً إستراتيجياً جديداً يقدم دعم سياسي إقليمي لإيران في مواجهة التمدد الإسرائيلي في الخليج . كما باتت تركيا تحتاج لنفس الدعم حيث ترى في التطبيع الإماراتي / الإسرائيلي تهديداً كبيراً لها ، بسبب قيامها بإنشاء خط نقل الغاز إلى أوروبا عبر اليونان (بتمويل إماراتي) بينما تركيا تعتبر نفسها بوابة أوروبا . هذا بالإضافة للتباينات الكبيرة بين أنقره وأبو ظبي في الأزمة الليبية .

ومن ناحية أخرى فأنقره هي المستورد الأول للغاز والنفط الإيرانيين ، وتصدر لإيران الملابس والأجهزة الإليكترونية وغيرها . ويتعاون البلدان ضد حزب العمال الكردستاني ، ويساندان قطر في حصارها من دول الخليج . إضافة لموقفهما المناصر للقضية الفلسطينية ، ودعمهما لفصائل المقاومة الفلسطينية . كما أن الموقف الإيراني من الأزمة الليبية يؤيد حكومة الوفاق المدعومة من أنقره . والخلاصة في رأيهم أن إيران وتركيا تجمعهما أرضية صلبة في مواجهة الحلف الإماراتي / الإسرائيلي .

ولا يعتقد كاتب هذه السطور أن تقارباً تركياً / إيرانياً سوف يحدث ، بل والراجح لدينا هو العكس أي تقارباً تركياً مع الحلف الإسرائيلي / الإماراتي . فقد أتى الإتفاق الإماراتي الإسرائيلي في وقت تعزز فيه تركيا نفوذها الإقليمي على عدة جبهات . فهي مستمرة في ليبيا وترسخ وجودها كل يوم وتواجه حفتر ، كما شنت القوات التركية هجمات واسعة النطاق ضد المسلحين الأكراد في سوريا والعراق ، وساندت أنقره أذربيجان في نزاعها مع أرمينيا ، وتصدت للسفن اليونانية في المياه الإقتصادية المتنازع عليها بالبحر المتوسط . كما أن تركيا ترسخ وجودها في اليمن حالياً ، وهو أمر لم يعد سراً حيث كشفت وسائل إعلام عن وجود نشاط إستخباري تركي في شبوة شرق البلاد . وهو يقوم بالتحضير لإستقبال القوات والمعدات العسكرية التركية ، خصوصاً بعد زيارة بعض المسئولين في الحكومة اليمنية لأنقره . وقالت مصادر : ” إن إخوان اليمن (حزب التجمع اليمني للإصلاح) يخططون للإستقواء العسكري والسياسي بتركيا في محاولة لإستنساخ التدخل التركي في سوريا وليبيا (اليوم الثامن 24/12/2019) .

من تدريبات مقاتلي شركة " صادات " التركية للإستشارات الدفاعية الدولية
من تدريبات مقاتلي شركة ” صادات ” التركية للإستشارات الدفاعية الدولية

ويستهدف التمدد التركي بالدرجة الأولى السيطرة على باب المندب والمخا وشبوة ومآرب وتعز (أراضي يسيطر عليها الإخوان) . فهذا يربط المشروعات التركية في شرق المتوسط وشمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء بالقاعدة التركية في الصومال والتي تأسست في 2017 . وطبعا وجودها في اليمن سيضمن لها حصة من عقود إستخراج وإدارة الثروات الطبيعية من نفط وغاز ومشروعات إعادة الإعمار . وتعتبر شركة “صادات” للإستشارات الدفاعية الدولية من أهم أدوات تركيا في اليمن ، وهي شركة أمنية مسلحة على غرار شركة “فاجنر” الروسية . حيث قالت التقارير أنها تعمل على 4 مواقع مؤكدة في اليمن ، تستخدمها في تدريب عناصر حزب الإصلاح على القتال وبناء الكمائن الأمنية والإقتحامات . وهذه المواقع في شبوة ومآرب ومحافظتي المهرة وتعز ، وبفضل عناصرها الإستخباراتية نقلت الشركة الأسلحة من المهرة إلى باقي المحافظات التي يتمركز بها حزب الإصلاح . كما تدعم تركيا مسعى حزب الإصلاح لإنشاء دويلة خاصة في محافظتي مآرب والجوف .

** ونحن لا نتبنى هنا موقفاً سياسياً ضد تركيا أو معها ، لكننا فقط نستقرأ التمدد التركي على خريطة الوطن العربي . وهو لايمكن أن يأتي دون موافقة أمريكا ومباركة إسرائيل ، فتركيا دولة عضو في حلف الأطلنطي وتسعى للإنضمام للإتحاد الأوروبي ، وتشكل من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية إسلاماً أكثر إعتدالاً أو أقل شراسة من الإسلام الإيراني . وهذه الظروف ترشحها للعمل لإستيعاب التيارات الإسلامية السنية وقيادتها في حروب مذهبية . ومع الوقت ستصبح تركيا شريكاً صغيراً ومؤقتاً لإسرائيل الكبرى . وسيتم الترويج لهذا التمدد التركي على أنه خلافة إسلامية ، ونحن من الآن نرفض هذا حيث أنه من غير المعقول أن تنشأ خلافة إسلامية بمساعدة الشيطان الأمريكي ومشاركة الشيطان الصهيوني .

.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى