هل انتهت الحرب العالمية الأولى فعلاً

احتفلت الحكومة الفرنسية بالذكرى ألــ 102 لنهاية الحرب العالمية الأولى ، وترأس إيمانويل ماكرون احتفالات محدودة في العاصمة باريس وبدون جمهور بسبب وباء فيروس كورونا. ومن المؤكد أنّ الاحتفالات ليست بالمناسبات البريئة، بل هي حدث تم الإعداد له وفق تخطيط مدروس بهدف توظيفه سياسياً في خضم الصراع السياسي الدائر في مختلف بلدان العالم، وفي أوروبا بشكل خاص.. فحين قرر الرئيس الفرنسي ماكرون إجراء “الاحتفال” بذكرى مرور أكثر من مئة عام على انتهاء الحرب العالمية الأولى في باريس، كان ذلك يعني أن المنتصر الفرنسي يذكر المهزوم الألماني والتركي. فتاريخ تلك الحرب يؤكد أنها أول حرب عالمية تتصارع فيها القوى الاستعمارية الكبرى من أجل الاستيلاء على ما تبقى من مستعمرات في أراضي السلطنة العثمانية في أوروبا وآسيا ومنع ألمانيا من سلب مستعمرات فرنسا وبريطانيا.

ففي عام 1914 كان السلطان العثماني قد خسر خلال 80 سنة 50 في المائة من الأراضي التابعة له لكل من الاستعمار البريطاني والفرنسي الذي كان قد سلب حتى ذلك الوقت شبه الجزيرة العربية كلها ومصر والسودان ودول شمال أفريقيا ومناطق واسعة في البلقان. ومع بداية الحرب التي تحالفت فيها ألمانيا مع العثمانيين عام 1914 لم يكن قد بقي تحت سيطرة السلطان في منطقة الشرق الأوسط سوى بلاد الشام والعراق فقط وهي التي تقاسمها في نهاية الحرب الاستعمار البريطاني والفرنسي في اتفاقية سايكس- بيكو الشهيرة ولاسيما بعد أن رفضت الثورة البلشفية الاشتراكية عام1917 بقيادة لينين المشاركة في هذه الحرب الاستعمارية الى جانب فرنسا وبريطانيا بعد أن خلع قيصر روسيا الذي كان شريكهما في اقتسام المستعمرات قبل انتصار الثورة.

وعن هذه الاحتفالية يرى الكاتب (جيلبيرت دوكتورو) مؤلف كتاب (هل لروسيا مستقبل؟) الصادر عام 2015، أن انتصار بريطانيا وفرنسا في تلك الحرب جعلهما يفرضان نظامهما العالمي ومنع ألمانيا من النهوض لمنافستهما بعد هزيمتها في تلك الحرب. ويضيف (دوكتورو): أصبح الوضع في هذه الأوقات يشبه وضع ما قبل الحرب العالمية الأولى بين الدول الكبرى فالولايات المتحدة وحلفاؤها يريدون الآن منع نهوض روسيا والصين كقوتين كبريين تفرضان دورهما في النظام العالمي الذي فرضته واشنطن منذ عام 1991 ولا ترغب بأن يشاركها أحد في وضع قواعده ومعاييره، بينما تسعى فرنسا وألمانيا إلى احتلال دورهما المستقل عن الولايات المتحدة في المقابل، وبقيت ألمانيا محرومة من المشاركة في صياغة أي نظام عالمي بعد الحرب العالمية الثانية أيضاً.

استحضرت الذكرى المئوية الأولى للحرب العالمية الأولى، التاريخ الاستعماري القائم على الحروب والصراعات والتدمير الممنهج والتقسيم، ومعها نستحضر أن ما يحصل اليوم ما هو إلا امتداد للغايات ذاتها مع اختلاف الأدوات والأساليب، إذ لا فرق بما أتت به الحرب العالمية الأولى، والمراد من حروب اليوم، وإن كان هناك فروق فهي تكاد لا تذكر، لكن يبقى المضمون والجوهر واحداً، فالحرب العالمية الأولى قامت على أراضي الدول الاستعمارية ذاتها، حيث كانت الصراعات في تلك الساحات، وأنتجت “سايكس بيكو” لأهداف تقسيم وتفتيت المنطقة العربية والتآمر عليها، و”وعد بلفور” الذي زرع إسرائيل لتكون قاعدة متقدمة للغرب الاستعماري في منطقتنا، والانطلاق بعدها لإحكام السيطرة على منابع الثروات ولاسيما النفط والغاز، أما في حروب اليوم فكانت الساحة العربية ساحة صراع وتقاسم نفوذ بين تلك الدول للأهداف ذاتها ولكن بأدوات أخرى كالتي تسمى “صفقة القرن”، والتنظيمات الإرهابية متعددة التسميات والموحدة الأهداف، تُستخدم لقتل أبناء جلدتهم وإبقاء المنطقة في حال من الضعف والهوان، وكل ذلك سعياً للشرذمة وإعادة رسم خارطة المنطقة والعالم.

واللافت أن الحرب التي يحتفلون بمئويةِ انتهائها جرَّت خلفها عشرات الحروب، والأساليب التي كانت مُتبعة من قبلِ الجيوش في الهجوم والدفاع خلّفت خلال هذه المئوية عشرات الأجيال المستحدثة حتى وصلنا لجيل الحرب الذكية، أما الإيجابية الوحيدة لهذه الحرب المتمثلة بسقوطِ الدولة العثمانية، فهي انتهت مع انشطار الفكر الإجرامي واللصوصي لتتبناه العشرات من الدول والكيانات والتنظيمات الإرهابية التي لا تقل إجراماً عنها، على رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، وتنظيم الأخوان المسلمين.

والمثير للسخرية أن هذه الحرب وصفت وقت حدوثها بالحرب التي ستنهي كل الحروب المشتعلة، ولكن الدول المنتصرة التي شاركت في توقيع “اتفاقية باريس للسلام” عام 1919 وبسبب تعنتها في فرض رؤيتها وشروطها على الدول الأخرى، ساهمت بعد عقدين من الزمن بإشعال حرب عالمية أوسع أزهقت من الأرواح أضعاف ما أزهقته الحرب الأولى، فيما كانت تداعيات تقاسم المكاسب ومناطق النفوذ والسيطرة والصراعات الأيديولوجية الناجمة عنها أشد هولاً وكارثية، بحيث مهدت لإشعال عشرات الحروب الإقليمية الأصغر، نجم عنها سقوط ضحايا مدنيين أضعاف ما سقط في الحربين مجتمعتين.

ومع الأسف لا تزال واشنطن وحلفاؤها، رغم كل المخاطر المحدقة بالعالم وتراكم عوامل التفجير في أي وقت، يزرعون الريح في كل مكان من دون أن يتحسبوا للعاصفة أو الإعصار القادم، وعلى ما يبدو فالحروب الصغيرة التي تفتعلها الدول الغربية هنا وهناك على شفا انتهاء الصلاحية وتحقيق الأهداف المبتغاة، الأمر الذي يضاعف من احتمال اشتعال الحريق الكبير من جديد. والدليل الحي على مضي العالم في الاتجاه غير الصحيح، هو التفاعل الدولي لمواجهة وباء كورونا والذي أظهر خبث نوايا دعاة “القرية الصغيرة” والاقتصاد المفتوح والحدود المفتوحة والتعاون المشترك وغيرها من المصطلحات الطنانة التي انتهت فاعليتها مع أول اختبار حقيقي يواجه البشرية جمعاء.

في الذكرى ألــ 102 لنهاية الحرب العالمية الأولى، يقف العالم على مفترق طريقين لا ثالث لهما، يتجسد الأول: بالعودة للاستفادة من دروس الحرب العالمية الأولى بما يخدم شعوب العالم أجمع وليس دولاً بعينها حسب إمكانية مشاركة وتفاعل كل دولة فيه، وبالتالي استعادة السلام والأمن والكرامة للجميع، والثاني: المضي في سياسة التسلط والهيمنة والتفرد التي نعيش إفرازاتها المختلفة والمتعددة الأوجه في أكثر من منطقة في القارات الخمس، وصولاً إلى اليوم الذي يستفيق فيه سكان المعمورة والصواريخ النووية تتساقط في كل مكان، على النحو الذي نراه اليوم يتقدم الخيار الثاني بخطوات عديدة على الأول ويضاعف إلى ذلك مقومات هدم وتدمير وخراب جديدة تبدأ برغبة القوى المتسلطة الاحتفاظ بسلوكيات افتعال الحروب الصغيرة وتغذية الخلافات بين الشعوب والأعراق وضمن المجتمع الواحد، والرغبة في الاستحواذ والسيطرة والهيمنة والتطرف وتوظيف الإرهاب، والقائمة تطول وصولاً إلى الأسلحة النووية.

خلاصة الكلام: ليس سراً أن هذه الاحتفاليات البرتوكولية بهذه الذكرى، ليست مهمتها البحث في الأسباب الحقيقية لاندلاع الحروب من أجل معالجتها، بل هي مناسبة عند البعض لإنشاء تفاهمات أو تحالفات جديدة، وعقد صفقات على حساب الدول والشعوب المناهضة لأطماع الدول الكبرى وأجنداتها الاستعمارية، فرغم تكرار الاحتفالات المشابهة، إلا أن الكثير من بؤر التأزم والصراع بقيت دون مبادرات حقيقية وعادلة من أجل الحل، كما هو حال القضية الفلسطينية التي تعود بداياتها لوعد استعماري بريطاني ظالم أعطي للصهاينة خلال الحرب الأولى، وما زالت الوعود تغدق على الجلاد، الغرب يعتاش على الحروب للاستمرار في السيطرة والهيمنة، وما يجري ضد ليبيا من تدمير ورسم أهداف للتقسيم ونهب للحضارة وتحت أعين الأمم المتحدة دون تحريك ساكن يؤكد ذلك، ومثله في سوريا واليمن والعراق وبعض دول أفريقيا والقائمة تطول.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى