هل تحضّر إسرائيل لمخطط تهويد الأقصى وإعادة بناء الهيكل!؟

ما يجري من عدوان يومي ممنهج بحق المسجد الأقصى من قبل شرطة الاحتلال ومستوطنيه تخطى كل عدوان سابق وكل ما يمكن تخيله منذ احتلال القدس سنة 1967، ففي الوقت الذي تزداد فيه العلاقة العربية ـ العربية والإسلامية ـ الإسلامية تأزماً وفجوة وجفوة، ويتسع على الراقع الخرق في هذه العلاقة، يرتفع سعار العنصرية والاحتلال والاستيطان والتهويد في فلسطين المحتلة تجاه الأرض العربية الإسلامية، وضد الشعب الفلسطيني العربي المسلم…

لقد جدد عشرات المستوطنين الإسرائيليين صباح الأحد 18/10/2020 اقتحام المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال. وذكرت وكالة وفا أن 64 مستوطنا اقتحموا الأقصى من جهة باب المغاربة ونفذوا جولات استفزازية في باحاته وسط حراسة مشددة من قوات الاحتلال، وينفذ المستوطنون الإسرائيليون يوميا اقتحامات استفزازية للمسجد الأقصى المبارك بحماية قوات الاحتلال في محاولة لفرض أمر واقع بخصوص تهويد الحرم القدسي والسيطرة عليه. وتصاعد استباحة الأقصى من قبل اليهود، يرجع للعديد من الأسباب والدوافع، منها الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف المدافعين عن الأقصى، ووجود 28 منظمة وجمعية يهودية متطرفة ترعى هذه الاقتحامات. هذه الجمعيات ومعها الأذرع الإسرائيلية المختلفة، تعمل وفق خطط منظمة وعملية مبرمجة وممنهجة، للسيطرة على الأقصى. والجمعيات الصهيونية التي ترعى المتطرفين اليهود، لديها دعم تشريعي من الكنيست وكذلك من القضاء الإسرائيلي الذي يصدر القرارات المختلفة لصالحهم (قرارات الإبعاد والاعتقال).

وليس غريباً إذن، والحال هذه، أن يجد كيان الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنوه مرتعاً خصباً، وأرضاً ممهدة للعربدة وانتهاك المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة تحت مرأى ومسمع من العالمين العربي والإسلامي، وتحت حراسة مشددة من غيوم ”الربيع الإسرائيلي ـ الغربي” ومؤامراته وكوارثه، حيث تتواصل الممارسات العدائية والانتهاكات غير الإنسانية وعمليات التهويد والتدنيس في كامل الأرض الفلسطينية وبخاصة في مدينة القدس المحتلة والأقصى الشريف الذي يسعى الكيان المحتل ومستوطنوه إلى فرض واقع تدميري مستفز لا يهدف إلى تقسيم زمني ووقتي بين المسلمين والمتطرفين اليهود فحسب، وإنما يهدف من ذلك كمقدمة إلى نسف المسجد بأكمله.

الاقتحامات المتكررة للحرم القدسي والمدفوعة بالقانون الإسرائيلي العبري المسمى: (القومية اليهودية) ليست مجرد تكرار لاعتداءات روتينية تحدث خلال ساعات ثم تنقضي، بل هي مخطط سياسي صهيوني منظم، هدفه الأساسي محو الهوية التاريخية للمكان والتمهيد لشطبها عبر تحريف تاريخها وانتمائها الديني وممارسة طقوس غريبة عن المكان تحت ذرائع وأكاذيب واهية وتثبيت وجود الصهاينة فيه كأمر واقع لا مجال للتخلص منه.

هذه الاقتحامات مرتبطة بشكل أساسي بعامل خطير أيضاً وهو إخضاع المقدسيين وما يتبعها من قرارات المنع والحظر والاعتقالات المتواصلة للعاملين في الحرم القدسي أو المرابطين حوله وتحويل المدينة المقدسية إلى ثكنة عسكرية تخضع لحصارين متتاليين، الأول حول الحرم القدسي بإغلاق البوابات الخارجية ومنع الفلسطينيين من الدخول إليه، والثاني تقطيع أوصال المدينة وعزلها عن محيطها لإثبات وجود الصهاينة في المكان بشكل دائم. وبالتالي الاقتحامات وما يوازيها من إجراءات قمعية وعنصرية ليست مجرد تجاوز عدواني عابر لا يستحق أي رد كما تعمل دول التطبيع على تصويره بل هو امتداد لمخططات التهويد التدميرية التي تفرض سيطرة أوسع للعدو على المدينة بمقدساتها وشطب أي وجود غير إسرائيلي فيها.

فالوقائع المادية على الأرض، ونتيجة لعمليات التهويد المتواصلة، تشير بأن رموز التهويد باتت تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، بخاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وبالقرب من أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك، وهناك عشرات الكنس، بدأت تمتد وتزداد في غرب المسجد الأقصى المبارك، وأصبحت جميعها تشكل سلسلة على شكل دائري حول المسجد الأقصى من كل الجهات، وبدأت تزداد وتقترب من المسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام، وتشكل أجواء استيطانية يهودية، خانقة حول المسجد. وقد بنيت على عقارات وأوقاف إسلامية ومساجد استولت عليها المؤسسة ”الإسرائيلية” بعد الإحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية عام 1967.

وبصرف النظر عن مشروعية التصدَي للأساطير التوراتية التي عملت الصهيونية على تحويلها إلى وقائع تاريخية تثبت ما يسمى ”الحق الإلهي” لليهود في الأراضي المقدسة، وبعيداً عن مواقف بعض العرب والمسلمين الذين يساهمون، عملياً، في تنفيذ المخططات الصهيونية من خلال صناعة أنموذج ”إسرائيلي” جديد لـ”الجهاد” وتوجيه طاقاتهم وقدراتهم لتدمير سورية والعراق واليمن… فإن الصعود إلى ما يسمى ”جبل الهيكل” لم يعد شعائر دينية لليهود الحريديم فقط، بل أصبح تظاهرة سياسية تؤشر إلى إلغاء الفرق بين ما يسمى الصلة الدينية والسيادة السياسية، وترمي إلى إقرار حقائق على الأرض.

وتحت ظلال ذلك، تم الانتهاء من إعداد المخططات الهيكلية لبناء ما يسمى ”الهيكل الثالث”، وإقامة ورشة عمل جمع الحجارة الخاصة ببناء الهيكل، بعد هدم الأقصى، والذي سيعقبه، وفق المؤمنين بـ”المعتقدات المسيانية”، اندلاع ما يطلقون عليه حرب يأجوج ومأجوج التي سيتخللها ظهور المسيح ثم يتم بناء الهيكل الثالث المزعوم الذي سيمتد، وفقاً للمخططات، نحو الشمال على حساب الحي الإسلامي في المدينة المقدسة.

إذاً المعركة متواصلة في القدس المحتلة، وعناوينها تزداد يوماً بعد يوم، وتتنوع بين محاولات وسياسات تهويد وتدنيس المدينة ومقدساتها، وحتى مقابرها التاريخية، وأسماء شوارعها وأحيائها، والتضييق على الصامدين من أهلها المقدسيين، وتصعيد وتيرة العدوان عليهم، من خلال سياسة العزل، والاعتداء الجسدي واللفظي، وسحب الهوية، ومصادرة أملاكهم وزرعها بالمستوطنات، وقد أخذت معركة القدس أبعاداً جديدة، عندما دخلت المواجهة المفتوحة، في ساحات المسجد الأقصى المبارك… مرحلة الاشتباك غير المتكافئ بين الفلسطينيين العزل، وجنود الاحتلال المدججين بالسلاح…

إن إسرائيل وبتلك الأعمال اللاأخلاقية في حق المسجد الأقصى بشكل خاص قد تجاوزت كل الشرائع السماوية والقوانين الدولية والمعاهدات القانونية المعمول بها في هذا الخصوص، كاتفاقية جنيف المبرمة في عام 1945 والملاحق الملحقة بها في العام 1977 واتفاقية فيينا لعام 1983 بشأن خلافة الدول في الممتلكات، والتي أضفت حماية قانونية خاصة على المقدسات الدينية، والقرار الدولي رقم 533 لعام 1986 والذي يقضي بإدانة محاولة تهويد بيت المقدس وإزاحة الطابع العربي والإسلامي منه، والقرار رقم 476 الصادر في 5 يونيو 1980 والذي شجب تمادي إسرائيل في تغيير الطابع العمراني لها، وتكوينها الديموغرافي وهيكلها المؤسسي، وغيرها الكثير من القوانين الرسمية المعترف بها دولياً. والغريب في الأمر أن الحكومة الإسرائيلية نفسها قد أقرت بتلك الالتزامات وأصدرت قانوناً لتأكيده هو القانون رقم 5727 لسنة 1967 والذي جاء فيه أنه ”تحفظ الأماكن المقدسة من أي انتهاك لحرمتها ومن أي شيء قد يمس بحرية وصول أبناء الأديان… أو بمشاعرهم تجاه هذه الأماكن ”ونص على عقوبة الحبس لمدة خمس سنوات لكل معتد على هذه الأماكن.

فأين العالم الإسلامي والمسيحي والدولي من كل تلك الانتهاكات السافرة لحقوق الشعب الفلسطيني ومقدساته الإسلامية والمسيحية؟ وأين هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي والمؤسسات الحقوقية والقانونية والإنسانية وكل أولئك المتشدقون بحقوق الإنسان والديمقراطيات وغيرها من تلك المصطلحات ”التي أصبحت لا تسمن ولا تغني من جوع” من كل تلك الجرائم البشعة التي تمارس يومياً بحق المقدرات والمقدسات الفلسطينية؟ بل أين البهلوان الأميركي وأسطوانته الببغائية حول السلام والدولة الفلسطينية المنشودة؟ نعم أين هؤلاء مما يجري في الأقصى؟ أين هم وأعلام إسرائيل ترفع وترفرف فوقه؟ وقطعان المستوطنين تدنس حرماته كل يوم؟ والحفريات الإسرائيلية تدك الأساسات من تحته ومن حوله وتذيب صخوره بالمواد الكيماوية؟ لماذا لا يدعون لاجتماع طارئ لمجلس الأمن؟ أو يحشدون لمؤتمر أصدقاء الشعب الفلسطيني والأقصى؟

اليوم تبلغ المؤامرة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية ذروتها، متمثلة في مسألتين واضحتين لكل ذي عينين، أولاهما تقديم الرئيس الأميركي دونالد ترامب فلسطين للصهاينة، ”هدية مجانية” عاصمة لـ”دولتهم” وإلى الأبد! وثانيهما، ”صفقة القرن”، وما أدراك ما صفقة القرن.

خلاصة الكلام: هي معركة وجود وبقاء يخوضها المقدسيون ومن ورائهم الفلسطينيون بالنيابة عن بقية الأمة لحماية مقدساتهم والوقوف في مواجهة آلة التغول التهويدية التي لم تترك حجراً إلا وعملت على نهبه ونسبته إلى تاريخ مزيف من الوجود اليهودي في فلسطين المحتلة، وإلى أن يدرك العرب والمسلمون وبقية الشعوب ما يجري لتلك المقدسات والمحاولات الجارية للاستيلاء عليها، يظل العبء الأكبر ملقى على عاتق المقدسيين والفلسطينيين بشكل عام، وهي مسؤولية لا يتم بها تشريفهم إلا مع القيام بها على أكمل وجه، لكن ذلك لا ينتقص من مطالبهم تجاه توفير الحد الأدنى من الدعم المعنوي والمادي، وهو بالمقابل حق وواجب على أبناء العرب والمسلمين وليس تفضلاً أو تكرماً، فمسؤولية حماية أولى القبلتين وثالث المساجد المقدسة لدى المسلمين هي مسؤولية عامة ومشتركة، ولا يجوز التعويل فيها على ردات فعل أو تصرفات فردية، مهما كانت مهمة أو مؤثرة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى