هل تدفع الطاقات البديلة ضريبة انهيار أسعار النفط على خلفية فيروس كورونا؟

نشرت في: آخر تحديث:

في وقت شهد العالم تسابقا نحو تطوير الطاقات المتجددة والنظيفة لتقليص التبعية للطاقات الأحفورية الملوثة والمستنزفة للثروات الباطنية، فاجأ وباء كورونا الجميع وتسبب في تدهور الإقبال على الطاقات التقليدية التي انخفض الطلب عليها وتراجعت أسعارها بحدة. البعض يتساءل هل سيتأثر الإقبال على الطاقات الجديدة بعد أزمة كورونا عندما تستعيد الطاقات التقليدية اهتمام اقتصادات الدول.

اتجه العالم في السنوات الأخيرة تزامنا مع الثورة الرقمية والتكنولوجية الحالية صوب اتباع سياسة جديدة فيما يتعلق بالطاقة، ترتكز على استغلال الطاقات المتجددة والنظيفة كالطاقة الكهرمائية ومولدات الرياح والطاقة الشمسية، بدل استغلال المحروقات الأحفورية المعتمدة أساسا على النفط والفحم والغاز، ذات التأثير السلبي على المناخ والبيئة.

الغاية من استغلال هذه الطاقات هي الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتلوث الهواء الذي يساهم في التغير المناخي وليبقى الرهان الرئيسي اليوم هو التقليص من الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة سطح الأرض الذي بدأت تظهر نتائجه الكارثية على الثروة الطبيعية والحيوانية وعلى الإنسان بطبيعة الحال.

فيروس كورونا دفع العالم داخل هوة اقتصادية غير مسبوقة ومفاجئة فرضت في أغلب الدول اتباع سياسة الحجر الصحي لاتقاء انتشاره ووقف زحفه المميت.

تراجع الاستثمار في الطاقات المتجددة

الحجر الصحي الناجم عن تفشي فيروس كورونا أفرز وجوبا تباطؤا في الاقتصاد العالمي تسبب في انخفاض شديد في استهلاك الطاقة عموما والطاقات التقليدية خصوصا، وهو ما سيقلل من انبعاثات الغازات السامة، ولكن من ناحية أخرى قد يرافق هذا التراجع انخفاض هام في تطوير الطاقات المتجددة.

 فأسعار النفط هوت إلى مستويات قياسية حتى أن سعر النفط الخام الأمريكي وصلت الاثنين 20 أبريل/نيسان إلى ما دون الصفر للمرة الأولى في التاريخ، إذ أجبرت شركات إنتاج النفط على دفع المال للزبائن ليحصلوا على النفط الذي تنتجه حتى لا يتراكم المخزون الخام لديها خلال شهر مايو/أيار القادم.

تراجع أسعار النفط فيروس جديد قد يقضي على الطاقات النظيفة؟

تراجع أسعار النفط بسبب انهيار الطلب العالمي وظهور أزمة تخزين جديدة قد يدفع الشركات وحتى الدول إلى استغلال هذه الطاقة التقليدية التي فقدت نسبة بالغة من قيمتها وتراجعت أسعارها بدل الاستثمار في الطاقات الجديدة النظيفة ولكن أيضا المكلفة.

واعتبر الأستاذ في معهد الدراسات السياسية في باريس ميشيل داردافات، وهو متخصص في الطاقة، أن تراجع أسعار النفط قد يشجع على تعليق الجهود الرامية لتطوير الطاقات المتجددة والحد بشكل كبير من الاستثمارات في مشاريع جديدة تعتمد على هذه الطاقات المتجددة. ويخشى أن يدفع الشركات إلى إلغاء أو في أفضل الحالات تأجيل الاستثمار في هذه الطاقات.

ويعتقد المؤرخ والاقتصادي الفرنسي فيليب تشالمين المتخصص في أسواق المواد الأولية أنه “بعد الحجر الصحي من المحتمل أن يؤدي انخفاض أسعار النفط إلى تباطؤ الانتقال في قطاع الطاقة من خلال تراجع القدرة التنافسية للطاقات المتجددة.. وهو ما قد يهدد تطوير الوقود الحيوي أو تطوير السيارات الكهربائية” على حد تعبيره.

الدول كذلك قد يستهويها تراجع النفط إلى هذه المستويات التاريخية، فقد قد تسارع بشراء كميات ضخمة من هذه الطاقات الأحفورية الملوثة على حساب الاستثمار في الطاقات الجديدة، وهو ما سيكفل لها كذلك تحقيق ربح في ميزانياتها.

حتى أن المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول، أكد في مقال على موقع لينكدين في منتصف مارس/آذار على ضرورة أن تولي الحكومات التي تعالج عدة أزمات راهنة أهمية عاجلة للانتقال نحو الطاقات النظيفة”.

وفيما يُتوقع أن تتراجع كمية إنتاج الألواح الشمسية خلال العام 2020 لأول مرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، كما أفاد تقرير لوكالة “بلومبرغ نيو إنرجي فاينانس”، خاصة أن أغلب هذه الألواح تصنع في الصين وجنوب شرق آسيا حيث يشهد النشاط الصناعي تباطئا حادا بسبب الوباء وسياسة الحجر الصحي المتبعة لاحتوائه.

حالة وعي جماعية بأهمية التخلص من الطاقات الملوثة؟

لكن بعض الآراء تعتقد أن الأزمة الصحية الراهنة قد يكون لها تداعيات غير منتظرة، قد ترفع من الوعي الجماعي بمزايا التخلص من الطاقات الملوثة. حتى أننا لاحظنا تحسنا في عدة مدن على مستوى تراجع التلوث ونوعية الهواء في المناطق الحضرية وفي العواصم الكبرى بنسبة تجاوزت 12%.

كما سجل انخفاض في مستوى ثاني أكسيد النيتروجين وغازات المصانع التي تراجعت أنشطتها بشكل بالغ، وتراجع في مستويات التلوث الجوي لتوقف شبه كلي للرحلات الجوية كذلك، وبداية تعافي طبقة الأوزون التي سجلت أفضل مستوى منذ 30 عاما.

أزمة فيروس كورونا قد تجبرنا إذن على إعادة التفكير في المستقبل من خلال تفضيل الطاقات الجديدة ووضع نظام طاقي متجدد ومقتصد وأقل ضررا بالبيئة، وهو ما تحاول التكنولوجيا الفائقة دعمه من خلال تسريع تقنيات إعادة التدوير والتقليل من استخدام الطاقة التقليدية والدفع أكثر فأكثر نحو الطاقات المتجددة والنظيفة مثل استغلال الطاقة الشمسية والرياح وحتى الطاقة المائية.

 

عماد بنسعيّد

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى