هل ستفجر دراما رمضان حرباً أهلية في مصر

قبل أن ينتهي يناير 2021 تواترت أنباء عن إستعداد الممثلة يسرا لتصوير مشاهد مسلسل يعرض في رمضان القادم بإذن الله ، وهو بعنوان ” حرب أهلية ” . وفي بدء شهر فبراير أثيرت ضجة عن مسلسل أخر هو “الإختيار 2” ، وقيل أنه سيتناول مجزرة فض إعتصام جماعة الإخوان في ميدان “رابعة العدوية” في 2013 ويعرض مشاهد من المجزرة . وهاجم المعارضين من رواد السوشيال ميديا هذا التناول الحكومي للحدث ، وتوقعوا أن يٌحمِل المسلسل جماعة الإخوان مسئولية المجزرة ، ويهدر حقوق شهدائها ويقدمهم للرأي العام على أنهم مجرمين إرهابيين ، وأن الإعتصام كان مسلحاً وتنتشر به خيام جهاد النكاح . وصبوا جام غضبهم على أبطال العمل أحمد مكي و كريم عبد العزيز . والحق أن تناول الدراما لتلك اللحظة القاسية ، وإثارة ذكرى المجزرة في أجواء ساخنة لازالت تعيشها البلاد ، يعد أمراً عبثياً يستهدف بالتأكيد أن ينكأ الجراح ويضغط عليها بأقصى قوة ليحدث إنفجار . وغير خافي على أحد أن الفن المصري تتحكم فيه منذ سنوات قوى مشبوهة وأجهزة عبثت كثيرا بالأمن القومي المصري . وعلى مدى العقد الماضي بأكمله عرضت أعمال تعادي المجتمع ودينه وثقافته وتاريخه بلا رقيب ولا حسيب ، وتزخر دراما رمضان تحديداً بكل أنواع البذاءة وإهانة الشعب . فهي توجه إهانات للأسرة المصرية ، ولفئات الشعب الواحدة تلو الأخرى ، تارة للمحامين وتارة للممرضات ثم الفلاحين والعمال وهكذا ، مع توجيه إهانات مستديمة للفقراء تحاسبهم على فقرهم وتعتبرهم وباء يجب التخلص منه .

وربما كان مسلسل يسرا هو الأوضح هنا والمعبر عن الهدف الحقيقي والنهائي من الإشتباك مع الجماهير والقوى السياسية المصرية . فعنوان المسلسل تحريضي بإمتياز ” حرب أهلية ” وهذا يعد من المحظورات في أي بلد يملك زمام نفسه .

وقد بدأت فعلا حرباً أهلية على منصات التواصل الإجتماعي التي تستخدم الآن للتناحر وليس للتواصل . وكأنها تقوم بالتحضير لإشتباك يتم في الميدان ، وتكشف لنا هذه الأعمال الفنية المشتبكة أن حالة الإحتقان يراد لها أن تبلغ ذروتها خلال رمضان القادم أو عيد الفطر ، لتكون هي عود الثقاب الذي سيفجر برميل البارود الساخن .

هل ستفجر دراما رمضان حرباً أهلية في مصر

  • الصراع الإجتماعي :

تشهد الساحة المصرية صراعاً طبقياً إزدادت حدته في السنوات الخمس الأخيرة ، حيث يتحمل الفقراء عبء أزمة إقتصادية طاحنة ، ويسددون وحدهم أقساط ديون تجاوزت حدود الخطر . حتى أن مصانعهم وأصولهم تباع لتسديد الأقساط . ويتم تهجيرهم قسرياً من أرضهم وقراهم لتباع لمستثمرين عرب وأجانب ، وتعد جزيرة الوراق من أشهر الأمثلة . وقد حافظ القهر الأمني على إبقاء الصراع الطبقي القاسي مكتوماً تحت السطح طوال السنوات الخمس الماضية . وترغب البرجوازية الكمبرادورية الحاكمة في إستمرار هذا القهر لمواصلة ذبح الجميع بهدوء وفي صمت تام . فهي تذبح الطبقة العاملة والفلاحين والبرجوازية الصغيرة ، والشرائح الدنيا من الطبقة المتوسطة في تطبيق واضح لسياسة النيوليبرالي التي جعلت نحو 4000 مصري ينتحرون سنوياً . وقدرت نسبة الفقراء ب 29,7 حسب أرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 3 ديسمبر 2020 ، أي أن ثلث المصريين تقريبا يعيشون في فقر . وهم ساخطون وغاضبون وفي إنتظار شرارة ليخرجوا بلا عقل ولا قائد ولا خطة ، فيدمرون وينتقمون وتسود البلاد حالة هيستيريا . وهذا السخط عادة ما يكون هو الجذور الإجتماعية لأي إحتراب أهلي وهو الوقود الذي يحركها . فقد كان هو السبب في إندلاع الحرب الأهلية الإسبانية (يوليو 1936 : إبريل 1939) حيث عانى المجتمع الإسباني غياب العدالة الاجتماعية ، فأغلب ثروات البلاد كانت في أيدي الأقلية الحاكمة، في الوقت الذي كان فيه عامةُ الشعب غارقين في الفقر والجهل ولا يتمتعون بأقل الحقوق من تُملُّك الأراضي، أو تحديد ساعات للعمل أو أجور مُجزية، وكان ذلك بمباركة الكنيسة المنحازة بالكلية للطبقة الحاكمة والتي مثَّلَت عاملًا رئيسيًّا لفساد الدولة ، مع النظامِ الملكي الذي كان يفقد شعبيته بين الناس بمرور الوقت، والجيش المتوغِّل في الحياةِ السياسيِّةِ بشكلٍ كبير. تزامن ذلك مع سيطرةِ مناخٍ من اليأس والإحباط على المجتمع ، إضافةً إلى الأزمةِ الاقتصادية العالمية التي عصفت بالمجتمع عام 1929 م وتركت المجتمع الإسباني في حالةٍ لا يُحسد عليها من فقرٍ وبطالة .

وفي 16 فبراير/ شباط عام 1936 وصل تحالف الجبهة الشعبية في أسبانيا «اليسار والاشتراكيون» إلى قمة السلطة بعد الفوز في الإنتخابات بنسبة كبيرة، حيث وجد فيه الفقراء طريقاً للخلاص . واشتعلت النار بعدها وفشل رئيس الوزراء “كاساريس” في الالتفات لتحذيرات بمؤامرة عسكرية ضمت العديد من الجنرالات . فكان الإنقلاب العسكري في يوليو ، وتسبب الإنقلاب في إشعال الحرب الأهلية الإسبانية ، وقد إستمرت 3 سنوات سقط خلالها نصف مليون إنسان .

  • الصراع السياسي والديني :

ويتجاور مع الصراع الطبقي الحاد الذي تعيشه مصر ، صراعاً آخر لا يقل عنه حدة وضراوة . وهو الصراع السياسي الدائر بين العسكر من ناحية و جماعة الإخوان المسلمون وأصدقائها من ناحية أخرى ، يضاف إليهم معارضين للنظام ومسحوقين غير منتمين لأي تيار يحتشدون الآن وراء الجماعة . ويمارس كُتاب النظام كل يوم تعميق وتكريس هذا الصراع ، وزيادة الشحن المعنوي والغضب المكبوت بتوجيه شتائم لا تتوقف للجماعة ، وكثيراً ما طالت الإسلام نفسه في شخص الجماعة .

وهنا سوف تتسع دائرة الإشتباك لتضم ماهو ديني إلى ما هو سياسي ، لأن عملية إنهاء الجيش لحكم الإخوان في 30 يونيو 2013 ، شارك فيها حزب النور السلفي والأزهر والكنيسة ، وإحتقان الجماعة ومناصريها من هذه الهيئات واضحا تماماً . وبهذا سيفجر الضغط على قوى سياسية إسلامية حرباً بينها وبين خصومها وتحديداً الكنيسة . وهذا هو قلب الأمن القومي المصري ، وهو قدس الأقداس الذي نرفض المساس أو العبث به . وقد أوضحت من قبل أن هناك سيناريو لتقسيم مصر ، جاء هذا في مقال جعلته تغريدة مثبتة على حسابي على تويتر وهو بعنوان : ” مصر الخامسة الغضباء ومزرعة الشيطان الصهيوني ” وقد نشر في 9 سبتمبر 2020 وبعد خمسة أيام ألقي القبض علي بمعرفة جهاز الأمن الوطني . وكان السؤال الأبرز والأهم في تحقيقاتهم الطويلة يدور حول هذا المقال ، فسألوني : “هل هناك فعلاً مؤامرة لتقسيم مصر ؟ وقلت نعم ، فسألوني : ومن الذي يدبر هذه المؤامرة ؟ فقلت أنها تدور الآن بالفعل وأن القائم بالدور الرئيسي فيها هي المخابرات الأمريكية “. وأذكر أن المقال حذر القوى السياسية المصرية التي وافقت على سيناريو التقسيم ، من الإنخراط في هذا المشروع وأوضحت لهم بأنهم إذا وافقوا فسيفتحون باب جهنم على الجميع .

ومن ناحيتها لازالت الطبقة الحاكمة كقوة سياسية رئيسية تواجه مشاكلها السياسية بحلول أمنية فتزيد الإحتقان ، وتجعل الغليان يصل مداه ويتجاوز الحلقوم . وإذا كان لنا أن ننصح فإننا نوجه نصحنا إلى النظام الحاكم بأن يفتح الآفاق السياسية التي إنسدت وأغلقت تماماً منذ تمرد 30 يونيو 2013 .

وأن يقيم حواراً مع كافة التيارات ، فهذا هو العمل السياسي الذي قد لا يجيده العسكر ولا يقتنعون به . لكنه الآن هو كف الإعتراض الأخير قبل أن تتحقق الكارثة التي بدأت تعلن نفسها من خلال أعمال فنية منفلتة تسكب الزيت على النار .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى