هل نكفر بـ العروبة…؟!

في مطلع العقد الثاني من هذا القرن ابتُلي المشروع العروبي بانتكاسة غير متوقعة وغير معهودة، عدوان شامل ووحشي في سياق معركة مستمرة ضد العروبة ، لكنها معركة من أخبث المعارك وأخطرها، ومن مظاهر الخطر فيها أنها دُعيت في الأدبيات المعاصرة بـ ” الربيع العربي” وهي معركة عصيّة على التصنيف والتوصيف بسبب تشابك مكوناتها، وتعدد الأطراف الداخلة فيها، والأهداف المأمولة منها، بما في ذلك من خداع وتضليل وتكفير وتطرف. وفي هذه المعركة يبدو أن التضحيات الكبرى بالأرواح والممتلكات والمؤسسات كانت مجانية، وأكثر من ذلك أنها أسفرت عن العودة إلى الوراء بمشاريع الإصلاح الوطني الديمقراطي وبالعيش المشترك وبالتنمية، بسبب بروز دور المرتزقة والعملاء والخونة، دور المأجور والمتطرف والتكفيري المرتبط بأجندات خارجية.

لقد تحولت المفاهيم والأحلام الوطنية والقومية على صعيد الواقع العربي إلى كوابيس، وربما إلى تنكيت للتشهير بأصحابها، ولا نبالغ إذا قلنا إن الحديث عن العروبة قد أصبح شبيهاً بالحديث عن خرافة. فالعروبة اليوم تُستهدف في الوطن العربي عموماً من خلال إذكاء كل ما يناقضها ويعاديها من نزعات طائفية ومذهبية وقبلية وعشائرية مدمّرة، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ترتكبه القوى السياسية التي تطرح مشاريعها ضدّ العروبة ولا سيما المشروع ”الإسلامي السياسي” والمشروع ”القطري” و”التركي” وغيرهما. ذلك أن العروبة ليست أيديولوجية ولا طرفاً في حلبة الصراع السياسي على السلطة، بل هي هويّة ثقافية وسياسية، وهي التي حملت الإسلام، تاريخياً إلى العالم، وهي التي حررت الوطن العربي من الاستعمار وحمت الدولة القطرية من خطر الانقسامات الإثنية والطائفية والمذهبية وغيرها.

لقد دمرت بفعل الإرهاب مؤسسات، ونهبت كنوز علمية وثقافية ومتاحف وآثار، وتعاظمت حروب أهلية بالفتنة المذهبية و الفساد المستشري، ومن ثم كان التمييز في الحقوق والواجبات تحت شعارات إيديولوجية سادت الأقطار العربية المصنفة ذاتياً بالتقدمية، فيما ذهبت الرجعية العربية نحو تجييش الإرهاب باسم المعارضة السياسية، وتحت شعار ديني إسلاموي، لتكتمل عناصر الفتنة المدمرة بإرادة امبريالية صهيونية… وهل ما جرى في تونس وليبيا ومصر واليمن والعراق وسورية سوى دليل على انقسام العرب وضياعهم؟ وهل ما تفعله قطر بالاتفاق مع تركيا، من دعم للإرهاب، سوى دليل على ذلك أيضاً؟

إنه زمن أصبحت فيه مفاهيم الوطنية والسيادة والكرامة في قاموس رهط من العرب من المفاهيم البالية، ويُنعت كل من يستخدمها أو يرفعها خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه بالمتخلف ومن أصحاب اللغة والمواقف الخشبية… وأنه في قطيعة مع عصر المفاهيم الرخوة والزئبقية التي استوردوها. نعم، لقد تحولت بعض الحركات إلى دُمل متورمة على خارطتنا العربية وهي ترفع يافطات تناقض جوهرياً المهام التي أوكلتها لنفسها، بل وتدعي احتكار تمثيلها والناطق الرسمي الأوحد بإسمها، متعامية على حقيقة ماثلة أمامنا تتعدد شواهدها في ساحاتنا العربية النازفة، حقيقة تقول أن الاستقواء بالأجنبي واللهاث وراء عونه والاستئساد على الأوطان ببوارجه ودباباته إنما هي من عوامل التعقيد لأوضاعنا وأيسر المسالك لتفكك نسيج مجتمعاتنا وبالتالي أقصر البوابات للهيمنة ومصادرة قرارنا السيادي وإجهاض تطلعات شعوبنا المشروعة في الحرية والرفاه والكرامة، والأغرب من كل هذا أن هذا الرهط من العرب لم يدرك بعد، رغم المآسي والكوارث التي تسببوا فيها، أنهم بسلوكاتهم تلك أصبحوا عنواناً من عناوين اعتلال الأوطان وجزءاً من المشاكل القائمة لا من الحلول التي تنشدها المجتمعات العربية لتجاوز مأزقها وأزماتها الراهنة.

اِنها حالة شاذة وغير مسبوقة في التاريخ العربي المعاصر… حالة مزرية من الفوضى والضياع والانحطاط والدونية السياسية التي لم تجند لفضيلة التضامن العربي لحساب الفراغ العدمي القاتل فحسب، بل أيضاً لحساب فعل التواطؤ، وقوة التآمر، وخطيئة الاستقواء بالمستعمر الأجنبي على الشقيق العربي…

فالأمريكيون يبحثون عن مصالحهم وينفذون برامجهم وأفكارهم ومشاريعهم، وكذلك يفعل الإسرائيليون مستفيدين من كل شيء، أما العرب فيقفون مذهولين ضائعين مذعورين قلقين مسلّمين أن لا حول إلا بمزيد من الارتباط بالأمريكيين، والأمريكيون كلما احتضنوا هؤلاء، أظهروا في تصرفاتهم وكأنهم يحتضنون مادة كريهة مسمومة بشعة، لابد في وقت معين من التخلص منها ورميها وتدميرها، وكل التجارب السابقة قد أكدت ذلك. فمعظم النظام الرسمي العربي يقف في بؤرة عري تاريخي لم يسبق له مثيل، وربما لم يشهد التاريخ المعاصر هذا القدر من التبعثر وانعدام الوزن والمكانة السياسية، وهو يبدو اليوم مستسلماً للقوى الغربية والمخطط الصهيوني تحركه في اتجاهاتها.

وبعد هذا كله وقبل هذا كله نتساءل: هل العروبة.. أفلست، وعليها أن تلملم أوراقها وتنسحب خارج التاريخ والعصر والواقع العربي، بعد أن تحمّل نفسها مسؤولية كل ما حدث للأمة العربية خلال هذا القرن والقرن العشرين الذي لفظ أنفاسه، وأنّ على التيار العروبي بكل تشعباته وفروعه واجتهاداته وتناحراته، أن يخلي الساحة لسواه، بعد أن يعلن إدانة نفسه ويكتفي من الغنيمة بالإياب، لأنه ومنطقه العروبي، حكما على مستقبلها بالموت، من وجهة نظر من يطرحون هذه المقولات ويروجون لها بقوة؟

وهل أفلست طروحات ذلك التيار ونظرياته، ووصل إلى درجة من الجمود لا تجدي معها المراجعة ونقد الذات وتصحيح المسارات، أم أنه يرى ما له وما عليه، وما زال حضوره في ساحة العمل والنضال هو الأساس لتحقيق أهداف الأمة، وأن مساحة المستقبل مفتوحة أمامه… ولكن وصوله إلى حالة من التصالح مع الذات والأداء الملائم لمواجهة تحديات الاحتلال والواقع والعصر، والمشكلات والأزمات والفتن المختلفة، يحتاج إلى مراجعة شجاعة، ووقفة حازمة ودقيقة وجريئة… مع الذات، يجري فيها مراجعة ومحاسبة ونقدا ذاتيّا حكيما ومسؤولًا، ليخرج بعدها أكثر تعافيا ومنطقية وأقل عنجهية، وأشد تواصلًا مع أصوله وحقائق توجهات جماهيره المؤمنة، وركائزه التي حاولت تنظيمات وتيارات أخرى أن تهزها هزًّا عنيفًا، وأنّ تدخل من خلالها إلى بنية أمة لا يمكنها أن تقبل الدخيل، ولا أن تتخلى عن منظومات قيمها ودينها وهويتها وأصالتها وحقوقها وتاريخها الحضاري العريق… وتعي أن أعداءها يرمون إلى وئد وعيها ونفيه، وتفتيت تماسكها، تمهيدا لنقض بنيانها من الداخل، وإضعافها تماما بعد تمزيقها، ومن ثم الانقضاض على وجودها ذاته؟!

تلك أسئلة نطرحها ونحن في خضم اقتتال مقيت يشتعل في هذا القطر العربي أو ذاك، وتبعية للأميركي بخاصة والغربي بعامة… ونطرحها ونحن في خضم انفلات العملاء من كل قيد وخلق وقانون، حيث تراهم يثخنون أمتهم وأقطارها جراحا، ويهددون ثقافة الأمة وقضاياها، وتستبد بهم الوقاحة إلى درجة الاستهانة بأبسط القيم الوطنية والقومية والإنسانية والأخلاقية، وبمقومات كل ذلك وخصائصه… تحت حماية خارجية مؤثرة؟! ونطرحها ونحن أمام واقع ووقائع تتجذَّر وتترسَّخ في وطننا العربي، تنقض معمار العقل قبل نقض معمار العروبة الفكري والعاطفي والسياسي والثقافي والاجتماعي، وتؤسس لانهيار كبير، ولا تساهم في استشراف صورة إيجابية لمستقبل العروبة والأمة العربية.

وطرح هذه الأسئلة يرمي إلى التحريض على التغيير، بعد المراجعة والنقد الموضوعي وإعادة النظر والتقويم، وبعد التفكير في الواقع والممارسات والنتائج والأهداف والمسارات، وفي الحالة العامة التي يعيشها الوطن العربي، وتعيشها التيارات الفكرية والسياسية الرئيسية فيه من جهة، والتعامل مع ما تقدمه المتغيرات في وطن العرب والعالم من معطيات ذات تأثير في الحاضر والمستقبل من جهة أخرى… لتتم مقاربة التغيير والأجوبة وتلمّسها، في ضوء ما يُطرح على هذا التيار العروبي من قضايا وأسئلة وتحديات وما يخوضه من صراعات داخلية وخارجية، وما يواجهه مع غيره من قوى الاحتلال ومؤامرات حلفائها وحماته وأعوانه وعملائه، في إطار من الموضوعية والروح العلمية والواقعية العملية التفاؤلية… مقاربة تضع كل أمر في موقعه الصحيح، لا سيما في الوضع العربي الراهن، مقروءا ومستقرا بوعي ومسؤولية، في ضوء وقائع تاريخنا وتاريخ الأمم من جهة أخرى… وفي هذا توجه نحو تبيُّن ملامح مستقبل العروبة التي لا يمكن أن تموت، من منظور واقعي علمي، لا يقطع مع الانتماء وحمولاته المعرفية والعاطفية، ولا مع الدين بقيمه ورسالته وأحكامه وحكَمه، ولا مع المشاعر القومية وما يتصل من ذلك بالهوية والتاريخ، بالحاضر والمستقبل…

يجب أن نعترف، أنّ النكبات والأزمات التي حلت بالوطن العربي لا تبدو بعيدة عن الأمراض السلوكية المسيطرة على تفكيرنا داخل المجتمع العربي، الأمر الذي يؤكد أن المحنة التي نعاني منها هي محنة تاريخية ثقافية بالدرجة الأولى، لا لسبب إلا لأنها ذات اتصال مباشر بطبيعة العقلية العربية وتراثها الثقافي التاريخي. ولما كانت السياسة تحتاج إلى الثقافة، والعكس صحيح، وكانت القطيعة بين الطرفين مؤسفة، وتعد من المواقف الخاطئة المضرة بعالمنا العربي المعاصر، وبما أنّ المعرفة والآداب والفن أدوات لمواجهة التطرف والإرهاب لأنها صناعة الحياة، بينما الإرهاب صناعة الموت، فلا بد للسياسة وللثقافة من أن تكونا وعاءً للقيم، وإطاراً للتقاليد العربية الأصيلة والمستمرة عاطفياً عبر التاريخ، وتعبيراً حقيقياً عن الروح القومية، والشخصية الوطنية التي لابد من الاعتصام بها، والتحكيم إليها خارج ما يسمى بنظرية المؤامرة في كل ما نسعى لتحقيقه في الوطن العربي المعاصر.

خلاصة الكلام: إن العرب يمتلكون طاقة هائلة وخلاقة اسمها العروبة، فلماذا يُراد طمسها واستبدالها بما ثبت، حتى الآن، أن مصيره الفشل. فليس بدعا ولا غريبا أن نلمس فجوات ونستشعر نواقص، وتنهض في وجهنا صعوبات وتحديات، وأن يُقال لنا أو نكتشف بأنفسنا أن: هناك تقصير وعيوب وأخطاء وممارسات مؤسفة… وأن نُطالَب بمراجعة وتصحيح من خلال ممارسة إعمال العقل النقدي والنقد الذاتي… ولكن محاولة نفي العروبة من الأصل جملة وتفصيلًا، وجعل الفكرة القومية والعروبة ذاتها موضع شك وموضوع توطّن للوهم ومجال اتهام، وتحميلها وحدها أسباب الخلل والعجز، ونفي مقومات الأمة العربية عن العرب، والإزراء بالتوجه القومي الذي يتخذه تيار كبير منهم، مستلهِما وجدان الشعب العربي كله ومعطى تاريخه العريق، ومطالَبة القومية بالتنحي بعد، وإقامة حالة عداء بين العروبة والإسلام… هو المرفوض كليًّا من جهة، والغريب المستغرب الذي لا يمكن أن يسوّغ على أرضية موضوعية معرفية منطقية، معقولة ومقبولة، من جهة أخرى.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى