وديعة حمد ، وديعة رابين ، وديعة كيري ، قصص متشابهات

أحمد الحباسى تونس

أولا ، هناك وجه شبه بين وديعة حمد بن خليفة المالية للحكومة المصرية ، و بين وديعة إسحاق رابين للرئيس السوري ، ووديعة جون كيرى للفلسطينيين و الإسرائيليين ، أن الثلاثة شخصيات” الواعدة ” هي أكثر الشخصيات الناكثة للعهود في العالم ، و أكثر الشخصيات الملوثة بدماء الأبرياء في العالم العربي .

ثانيا ، أود قبل الحديث عن الوديعة المالية القطرية أن أعيد التأكيد على أن السعودية لم تقدم و خلافا لما يتحدث عنه بعض الإعلام المصري بكثير من الافتخار و الاعتزاز الغير مبرر ، من دعم مالي للقاهرة ، إلا كنوع من الشماتة و الازدراء من الدور القطري تجاه حكم الإخوان ( تذكروا معي أن هذه الوديعة المرفوضة اليوم كانت قد قدمت للجمهورية المصرية في عهد الرئيس المخلوع محمد مرسى ) ، لذلك حاول النظام السعودي ضرب عصفورين بحجر واحد ، “ضرب ” الوجود القطري في بلد المعز ، ثم استعادة ماء الوجه و الدور السعودي المفقود ، بهذا المعنى فان هذه ” الإعانة” السعودية ليست موقفا مبدئيا نبيلا بقدر ما هو موقف انتهازي خسيس تعود عليه النظام في مواقع و تواريخ كثيرة سابقة.

الموقف المصري أصاب النظام القطري بصدمة كبيرة كان البعض يتوقعها بعد أن وقف النظام القطري إلى جانب الإخوان بعد عزل مرشدهم العميل محمد مرسى ، و بعد أن صب القرضاوى بتعليمات من الأمير و من الدوائر الصهيونية جام غضبه و حقده الأعمى على الشعب و الجيش المصري مناديا بالتدخل الأمريكي ، و بعد أن تم “منع ” فضائية الجزيرة مباشر من مزيد صب النار على الهشيم المصري المشتعل ، و مع أن محمية قطر قد سارعت لإصدار بيان خجول متلعثم ، فقد تأكد المتابعون أن جماعة الفريق عبد الفتاح السيسى لا يمزحون هذه المرة تماما ، و أن صبر القاهرة على دويلة قطر قد نفذ و بات في حكم المؤكد أن العلاقات بين البلدين ستشهد كثيرا من الارتدادات التي سيكون لوسائل الإعلام المصرية الرافضة للوجود القطري في مصر محطات و معارك إعلامية كثيرة .

يصف النائب السابق بمجلس الشعب المصري و رئيس حزب حياة المصريين دولة قطر بالدولة المتآمرة على شعب مصر ، و ينادى بإعادة تقييم العلاقات مع هذه الدولة التي ثبت تورطها في التآمر على مصر و شعبها ، و يذهب المخرج الكبير خالد يوسف إلى التعبير عن كثير من ارتياح الشعب المصري إلى هذه الخطوة الرسمية الجريئة واصفا النظام القطري بالنظام العميل الخائن لقضايا أمته ، ( تلاحظون معي تواتر مفردات “التآمر ، العميل ، الخائن ،ارتياح الشعب المصري ) ، في جانب آخر أيد كثير من الخبراء المصرفيين قرار البنك المركزي المصري برد وديعة الخيانة القطرية ، منبهين إلى ارتفاع نسبة الفائدة التي طلبها النظام القطري العميل من الحكومة المصرية .

هذه الوديعة إذن ، لم تكن غايتها إنعاش الموقف المالي للحكومة المصرية الجديدة ، و لا تبديد المخاوف المتكررة من انهيار الاقتصاد المصري ، و لا الوقوف مع الشعب المصري في محنته الحالية ، بالعكس ، كانت نسبة الفائدة التي طلبها النظام القطري أعلى نسبة في الاقتصاد المالي العالمي ، تفوق بكثير نسبة البنك العالمي المتعود على فرض شروطه القاسية على الأنظمة العربية المتعسرة ، و عندما نعلم أن قطر قد مولت دولا عديدة في العالم بنسب فائدة أقل بكثير و على مدة سداد طويلة و بامتيازات إرجاع متيسرة ، ندرك أن هذا النظام المتآمر قد فقد كل المبادئ و خرج عاريا ليشاهد العالم كل عوراته.

تدعى إسرائيل بهتانا أن إسحاق رابين كان رجل سلام يستحق جائزة نوبل للسلام ، مع أن مجازر صبرا و شاتيلا التي “يحتفل” العالم هذه الأيام بذكراها المؤلمة تغنى عن كل تعليق في هذا المجال ، و مع أن كتابه ” دفتر خدمة” يؤكد ارتكابه بمجازر مروعة في حق الأبرياء الفلسطينيين ، إسحاق رابين كان يجمع مثله مثل حمد بن خليفة بين ما يعتقد البعض انه “وجه إنساني” و بين وجه حقيقى لئيم ، و كما يحاول حمد و “محطته” الفضائية القطرية تسويق وجه الحمائم فيه بزيارة غزة و انجاز المصالحة اللبنانية و انجاز بعض المباني في تونس أو في لبنان ، فقد حاول إسحاق رابين أن يصل إلى مرتبة أكبر ممثل يصعد على المسرح السياسي الصهيوني كما وصفه أكبر تاجر سياسة صهيوني يدعى شمعون بيريز ، ليجمع بين النفاق السياسي و بين الليونة .

يقول المتابعون أن وديعة رابين التي أعطيت للرئيس الراحل حافظ الأسد لم يكن المقصود منها توفير الأجواء السياسية لكسب الثقة بين الطرفين ، أو لتسهيل عمليات التفاوض بين إسرائيل و سوريا ، بل كان كل هم المجرم الراحل إبرام مصالحة مع دمشق للاستفراد بالفلسطينيين و فرض صلح الأمر الواقع ، خاصة بعد أن تم إخراج النظام المصري باتفاقية كامب ديفيد من نطاق الخدمة و ضمان استمرار النظام الأردني في عمالته بمقتضى إمضاء اتفاقية وادي عربة ، تلاحظون وجه الشبه بين مبتغى الوديعة الصهيونية و بين الوديعة القطرية التي كانت تهدف إلى مساندة الرئيس المخلوع محمد مرسى على حساب الأغلبية الشعبية المصرية .

بعد أن تنازل محمود عباس و خالد مشعل عن البندقية الفلسطينية ، و قدم الأول تنازلات أوسلو و ما تبعها من تنازلات مريبة تحت الطاولة ، و ذهب الثاني إلى ملجأ الخيانة القطري فارا من قلعة العروبة و المقاومة السوري ، بات بالإمكان للاعب الأمريكي أن يستغل الورقة الفلسطينية في كل مرة يريد فيها أن يظهر للعالم العربي أنه وسيط و شريك نزيه في البحث عن دور ينهى معاناة الشعب الفلسطيني ، حتى يتلهى الإعلام و بعض النافخين في الدور الأمريكي بهذا ” العظم ” و يتركون للصهيونية الأمريكية الفرصة لتنفيذ أجندتها المتمثلة في الفوضى الخلاقة و التي تتمحور حول ضرورة إسقاط مثلث المقاومة و من بين هذه الإضلاع الضلع السوري الرافض للتسوية بكل الطرق.

لقد أعطى جون كيرى وزير الخارجية الأمريكية ، وديعة أخرى للفلسطينيين واعدا بان تجرى المفاوضات على أساس دولة فلسطينية في حدود سنة 1967 مقابل أن يعترف محمود عباس بما سبق للرئيس بوش الاعتراف به للصهاينة من أن إسرائيل دولة يهودية ، هذه الوديعة هي مجرد صكوك بدون رصيد تقدمها الإدارة الأمريكية للسلطة الفلسطينية حتى تبرر لدول المؤامرة في الخليج الانخراط المتآمر إلى جانبها في حربها ضد الدول العربية و الإسلامية العاقة مثل سوريا و إيران ، في كل الأحوال ، كره الشعب العربي الودائع و المودعين ، و فهم من له تفكير أن قطر ، إسرائيل ، أمريكا هم أعداء العرب ، فمتى كان للعدو وديعة أو عهد ؟.

بانوراما الشرق الاوسط

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى