…وسقط شعار “أوعى خيّك” إلى غير رجعة

في الوقت الذي ينهمك الوطن بلملمة جراحه بعد كارثة المرفأ، وفي الوقت الذي يسعى فيه السعاة إلى تأليف حكومة تنشل البلاد من غرقها، تطفو على السطح الخلافات بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”، ويتمظهر الحقد بكل تلاوينه وتعابيره “الحضارية”، وذلك في الذكرى الثامنة والثلاثين على إستشهاد الرئيس بشير الجميل، الذي حلم ببناء وطن لا يكون فيه للأحقاد مكان بين اللبنانيين.  

تريدون أن تختلفوا سياسيًا وديمقراطيًا هذا من حقكم ومن حقّ كل لبناني أن يعبّر عن خياراته بالطريقة السلمية التي يراها مناسبة لممارسة حقّه السياسي، سواء بالولاء أو بالمعارضة.  

لكن أن يتحوّل الإختلاف في وجهات النظر إلى ساحة من الحروب، التي كنا إعتقدنا أننا تخطيناها منذ زمن بعيد، وأن الأمور محصورة في التعبير عنها بطرق سلمية، ومن منطلق حقّ كل إنسان أن تكون لديه خيارات متعدّدة، الأمر الذي يحفّز التسابق على تقديم الأفضل والأكثر إنتاجية وأكثر تفاعلًا مع المجتمع المتعطّش إلى أن يعيش بسلام وأمان وإستقرار بعيدًا عن المشاحنات والحزازات، التي تطورّت بالأمس، في الخلاف الذي نشب بين “العونيين” و”القواتيين”، حتى إستعمال الرصاص، الذي أطلق بكثافة وكأننا أمام مشهد قديم من مشاهد “حرب الأخوة – الأعداء”.  

عندما إتفق الجانبان تحت “شعار “أوعى خيّك” إعتقدنا، عن حسن نيّة، أن الحقد الذي عمره سنوات طويلة قد دفن إلى غير رجعة، ولم تخطر ببال أحد أنه من الممكن أن تنتهي مفاعيل إتفاق معراب بمجرد الوصول إلى ما يحقق الطموحات  الشخصية، فسقط الإتفاق عند أول إمتحان، وسقط الشعار عند أول “هزّة” إلى غير رجعة.  

والأنكى مما حصل بالأمس على الأرض ما تضمنته التعليقات سواء على المستوى القيادي أو على المستوى الشعبي عبر مواقع التواصل الإجتماعي التي تحوّلت إلى منصات للشتم والسباب وإظهار كميّة الحقد بين الطرفين، وهي مسؤولية تاريخية تتحمّلها قيادات الفريقين، مع ما يمكن أن ينتج على الأرض من تكرار تلك المشاهد التي رأيناها بالأمس، والتي تمّ التعبير عنها بإطلاق النار، لا فرق إن كان بالهواء أو بالمباشر، لأن النتيجة واحدة، وهي دفع ما يُسمّى بالمجتمع المسيحي إلى الكفر بما تبقى من قيم، خصوصًا أن ما عُرف في حينه بـ “حرب الألغاء” أدّت إلى دفع عدد كبير من هذا المجتمع إلى مغادرة البلاد، بعدما أفقدتهم التصرفات غير الحكيمة إيمانهم بوطنهم وبمستقبله.  

والأنكى من كل ذلك أن البعض يتحدّث عن “فدرلة” طوائفية، بحيث تُقسّم المناطق اللبنانية إلى “كانتونات” طائفية يتقاتل فيها الأخ مع أخيه، وما حصل بالأمس ليس سوى عينّة عمّا ينتظر هذه المجتمعات من إنقسامات داخلية وحروب متواصلة، خاصة بين جيل الشباب وفي الجامعات حيث تصل كمية “الأدرنالين” إلى مستويات عالية، ويكون التعبير عن كبت الحقد أكثر تفجرًّا وأكثر خطرًا على مجتمع ندّعي الحرص على المحافظة عليه في منطقة تغلي بالأحقاد والتوترات الطائفية والمذهبية.  

“أوعى خيّك” سقط بالأمس في “ميرنا الشالوحي” إلى غير رجعة، وقد يكون الآتي أعظم إن لم يتدارك كل من الرئيس ميشال عون والدكتور سمير جعجع خطورة ما يحصل. 

 

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى