..وماذا عن “السياسات المفخخة”؟

عماد مرمل

شكَّل الانفجار الدامي في الرويس صدمة لكل لبناني يتمتع بحد أدنى من الإحساس بالوطنية والمسؤولية، أما من كان حاقدا ومتعصبا ومنتحل صفة البشر، فقد وجد في هذه الجريمة فرصة لتنفيس أحقاده وتصفية حساباته، على أشلاء الضحايا وفوق أنقاض الابنية المدمرة.

في المبدأ، كان يُفترض بهذا الحدث المأساوي الذي هزّ المشاعر أن يدفع كل الاطراف والاتجاهات السياسية الى الترفع عن خلافاتها وتناقضاتها، وإجراء تعديل على خطابها وقاموسها، إن لم يكن من باب القناعة فمن باب المجاملة، أقله حتى يجف دم الشهداء والجرحى وتُلملم الانقاض.

لكن ما حصل ان البعض اتخذ من الجريمة منصة إضافية لمواصلة حملته على حزب الله، مستخدما أدوات التحريض التي اعتاد على استعمالها قبل انفجار الرويس. لم يكن ضغط الانفجار كافيا، على ما يبدو، لدفع المتهورين والمغامرين الى مراجعة حساباتهم وإعادة ترتيب أولوياتهم، ولو فعلوا لكان في ذلك بعض العزاء لذوي الضحايا وأبلغ رد على المجرمين.
لقد أعمت الحسابات الضيقة بصيرة “المفخخين” بالضغينة، وهؤلاء يفوق خطرهم خطر السيارات المفخخة التي تصيب بشظاياها المتواجدين في نطاقها، في حين ان السياسات والمواقف الملغومة تصيب بتداعياتها كل اللبنانيين، علما انها تساهم أصلا في انتاج البيئة الملائمة للعمليات الارهابية بكل أشكالها.

إن أخطر ما كشفته جريمة الرويس هو ان هناك فئة من السياسيين بلغت مرحلة من التصحر في خياراتها وسلوكها، الى الحد الذي يجعلها تتعامل بكثير من الخفة مع استحقاقات مصيرية، يكاد يتوقف عليها بقاء لبنان من عدمه.
وبهذا المعنى ، فان انفجار الرويس الذي وضع الداخل اللبناني أمام مفترق طرق، كان يجب ان يشكل حافزا ل”انتفاضة” وطنية او ل”نفضة” بالحد الأدنى، في مواجهة تحدي الفتنة الداهمة التي باتت تتجول في وضح النهار في سيارات مفخخة. ولعل الفرصة لا تزال سانحة وإن كان الوقت لا يعمل لصالحها، وسط السباق المحموم بينها وبين شبكات التفجير والارهاب “المتحالفة” مع الفراغ الآخذة عوارضه بالتفاقم، في ظل تعذر تشكيل حكومة حتى الآن واستمرار تعطيل مجلس النواب.

وفي هذا السياق، تقول مصادر سياسية مطلعة ان جريمة الرويس كانت تتطلب من الرئيس سعد الحريري ان يتصرف بطريقة مغايرة، مشيرة الى انه كان يُتوقع منه ان يسارع الى تأمين التغطية المطلوبة للجيش اللبناني ضد التكفيريين والارهابيين الذين يتخذون من بعض معاقل تيار المستقبل ملاذا لهم، ويتلطون خلف الانتماء المذهبي للإحتماء به وتصوير أي محاولة لضربهم على أنها استهداف للطائفة السنية الكريمة.

وتعتبر المصادر ان المطلوب من الحريري ان يتخذ موقفا صريحا وجريئا، في مواجهة المجموعات التكفيرية، بغية عزلها وحرمانها من أي بيئة حاضنة، الامر الذي من شأنه أن يُسهل على الجيش والأجهزة الامنية ملاحقتها والقضاء عليها، من دون ان يترتب على ذلك مضاعفات مذهبية.

وتشدد المصادر على وجوب ألا يتوهم أحد انه يستطيع استخدام المجموعات التكفيرية للضغط على حزب الله او لاستهدافه بالواسطة، منبهة الى ان هذه اللعبة خطيرة جدا، وقد أثبتت التجارب ان سحرها غالبا ما ينقلب على الساحر.
وتلفت المصادر المطلعة الانتباه الى ان انفجار الرويس هو بمثابة جرس إنذار مدو، لا يجوز ان يتجاهله أحد، وبالتالي فان الأولوية الملحة الآن يجب أن تكون لتشكيل حكومة وحدة وطنية يليها إحياء طاولة الحوار، مشددة على ان هذا المسار السياسي حيوي وضروري لمواكبة الاجراءات الامنية التخذة لملاحقة الشبكات الارهابية وتوقيف أعضائها، إذ ان الامن هو بالدرجة الاولى سياسي، والتدابير العملانية مهما كانت حازمة تظل منقوصة ما لم تواكبها تغطية وطنية من كل الاطراف الداخلية الاساسية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى