103 أعوام من ذكرى وعد بلفور… وماذا بعد! ؟

لا نكتب عن وعد بلفور بهدف التباكي عليه، لكن من أجل توضيح حجم المؤامرة على فلسطين وعلى الأمة العربية بأسرها من الدولة الأعظم آنذاك واستهدافها عموم المنطقة. كان الموعد في مثل هذه الأيام أن نستذكر وعد بلفور المشؤوم ونتعاطى معه بالمادة الفكرية والإعلامية وذلك آخر ما تبقى لنا من مستلزمات ذلك الوعد، حتى لكأن تاريخنا العربي تحوّل إلى سلسلة مشؤومة من الوعود تأتينا من الخارج، من ذلك المصدر الغربي الذي تخصص تاريخياً في التآمر على الشعوب المستضعفة‏، وفي إلقاء القبض عليها حتى بعد رحيل المستعمر، ولكن التاريخ بواقعه ووقائعه يخبرنا بأنه ما من وعد بريطاني أو فرنسي أو أمريكي إلا وآثر بدوافع شتى أن يستوطن في بلادنا، كنا كأمة منكوبة ومخترقة نحتفل ونحتمل ذلك ونقع في نسق الأماني إذ لعلّ وعسى أن يرحل الوعد بعد أن غادر من بناه ورسخه وجذّره في بلادنا المستباحة.‏

نكتب عن الذكرى الأليمة هذا العام، في الوقت الذي تتعرض فيه القضية الفلسطينية لمخاطر جمّة تتجلى باستمرار قوات الاحتلال الصهيوني في حصارها وعدوانها ومخططاتها الاستيطانية التوسعية بهدف النيل من إرادة الصمود والمقاومة للشعب الفلسطيني، وفي محاولة الإدارة الأميركية برئاسة ترامب تصفية القضية الفلسطينية من إعلانها “صفقة القرن” ونقل سفارة الكيان الصهيوني إلى القدس العربية الفلسطينية وتشجيع التطبيع العربي مع كيان العدو، في محاولة منها لتصفية القضية الفلسطينية وإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين… فترامب سار على خطا بلفور غير مبالٍ بالعواقب والتبعات والتداعيات لما سوف يسفر عنه صنيعه الإجرامي المقيت في قادم الأيام، الذي لن يقل أذى وإجراماً عما حدث جراء وعد بلفور حتى الآن، ترامب كان أسوأ خلف لأسوأ سلف، ولعل هذا يذكرنا بمقولة الشاعر البريطاني روديار كبلينج المتوفى في بدايات القرن العشرين: “الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا“.

علينا أن نعترف، أنّ الاستنساخ الأكبر لوعد بلفور المشؤوم، هو حالة الاصطفاف التي ظهرت في ظل ما يسمى ”الربيع العربي” بتشكُّل جيوش من العصابات الإرهابية تتستر بستار الإسلام، وتتحالف مع كيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه وعملائه وتدمر نيابة عنه دول المنطقة ومقدرات شعوبها، تحت شعارات كاذبة تتعارض مع العقل والمنطق جملة وتفصيلا، ما أتاح لإسرائيل فرص الاستيلاء على المزيد من الحقوق الفلسطينية ودفع آلة الاستيطان والتهويد بأقصى سرعتها، واستباحة المسجد الأقصى وتدنيسه يومياً صباح مساء، وتقسيمه زمانياً وجارٍ تقسيمه مكانياً، وتحت مرأى ومسمع من يدعون كذباً وزوراً أنهم ”ثوار وأحرار” وأنهم يقودون ”ثوراتهم” من أجل تخليص شعوب المنطقة من الظلم والفساد واستعادة حقوقهم المسلوبة وإقامة ركائز العدل والمساواة، الأمر الذي فضح هذه الشعارات الفاسدة والباطلة لأنها قامت على باطل وفساد بيِّن، فحوَّلها إلى مجرد ترهات ومزاعم لا قيمة ولا اعتبار لها بالنسبة للمواطن العربي الغيور على دينه وعلى أرضه وشرفه وكرامته وعرضه وأخلاقه ودمائه وكبريائه، وبالتالي لا تنطلي مثل هذه الألاعيب والترهات إلا على من هم على شاكلة أولئك المأجورين والعملاء.

فالخذلان العربي والتآمر الدولي اتخذا شكلا جديداً، فقد تخلى الأول عن صمته الذي كان يحفظ ماء وجه بعض الحكام والأنظمة الناطقين بالعربية الذين باتوا اليوم يجاهرون في التعبير عن تآمرهم وعجزهم عن تقديم أي حل للقضية الفلسطينية، بينما دول الاستعمار المتآمرة لم تعد مضطرة لتقديم أي مخطط لتصفية حقوق الفلسطينيين، فأتباعها الخانعين يقومون بالمهمة. وما زاد الطين بلة أن ذكرى وعد بلفور تتزامن هذا العام مع تآمر عربي على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومؤامرتهم المسماة بـ ”صفقة القرن” المشؤومة التي يعول عليها كثير من العرب، ممن يتوهمون أنهم بتآمرهم سيتمكنون من تمريرها لتصفية القضية الفلسطينية وشطب الحقوق المشروعة… ولم يعد يخفى على كل متابع للإدارة الأميركية وسياستها تجاه القضية الفلسطينية أن ترامب والمنظمات الصهيونية العالمية باتت تسابق الزمن من أجل تنفيذ تلك الصفقة المشبوهة، وذلك على اعتبار أن الظروف السياسية في المنطقة التي تعاني من القلاقل والاضطرابات مهيأة لتنفيذ تلك الصفقة، خصوصاً وأنه لم يعد يُعرف مدى إمكانية فوز ترامب ـ الذي يسعى لإرضاء الصهاينة بأي شكل ـ بفترة رئاسية ثانية.

إن التآمر والاستهتار بحقوق الشعب الفلسطيني خطوة لا تقل خطورة عن وعد بلفور نفسه، حيث ارتضت بعض الدول العربية أن تكون أدوات من أجل تنفيذ المخططات الصهيو ـ أميركية التي من شأنها حصر الفلسطينيين في كانتونات ومعازل صغيرة محاطة بالمستوطنات الإسرائيلية تعيش تحت رحمة السياسة الإسرائيلية وبالتالي التخلي عن حقوق الشعب الفلسطيني الذي ضحى من أجلها وقدم ألاف الشهداء لاسترجاعها.‏

في ذكرى وعد بلفور المشؤوم، نتذكر وعوداً كثيرة وُعِدْت بها الحركة الصهيونية وفيما بعد إسرائيل، كل هذه الوعود يجري تنفيذها بدقة متناهية من كافة دول العالم، لكن الوعود التي تقطع للفلسطينيين والعرب يجري التخلي عنها تماماً والانقلاب عليها، أولاً عن آخر. لقد وعدت بريطانيا في أربعينيات القرن الماضي بإقامة دولة فلسطينية، وتخلت عن هذا الوعد. ما أشبه الليلة بالبارحة، فالرؤساء الأميركيون منذ كلينتون ومروراً بجورج بوش الابن وصولاً إلى الرئيس ترامب تعهدوا بالعمل على إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، لكن هذه الوعود جرى التخلي عنها تماماً.

ونتساءل في ذكرى وعد بلفور لماذا لا تجرؤ دول العالم عن التخلي عن وعودها لإسرائيل؟ وتتخلى عن وعودها للفلسطينيين…؟

الجواب ببساطة: إن إسرائيل والحركة الصهيونية هي حليف استراتيجي للدول الاستعمارية، هذا أولاً، وثانياً، لأنهما يمتلكان من وسائل الضغط الكثير وفي مختلف المجالات مما يؤثر على هذه الدول، بينما نحن كفلسطينيين وكعرب ورغم امتلاكنا لأوراق قوة ضاغطة كبيرة، إن من حيث السياسة أو في المجال الاقتصادي، لكننا لا نحسن استغلال هذه الأوراق، ونتعامل مع تلك الدول كأقطار متفرقة، وليس كصيغة جمعية مؤثرة، الأمر الذي يعني أننا نستهين بأنفسنا، بالتالي تستهين بنا هذه الدول.

تلك هي الحقيقة! ولابد أن نقر، أن تداعيات وعد بلفور المشؤوم والآثار الناجمة عن التآمر الغربي والعربي على الشعب الفلسطيني، مازالت مستمرة حتى يومنا هذا. فعلى أرض الواقع تواصل سلطات الكيان الاسرائيلي العدوانية ممارسة كل أشكال الإرهاب واغتصاب الأراضي واستيطانها لترسيخ وجودها، وتعمل على قدم وساق من أجل ترسيخ فكرة يهودية هذا الكيان المزعومة، واستكمال مراحل تصفية القضية الفلسطينية وطرح الحلول الاستسلامية التي تنسف حق العودة وتكرس الاحتلال الاسرائيلي، والغريب في أمر وعد بلفور المشؤوم ودولة المنشأ أن ما تصورته تلك الدول الاستعمارية عن حالنا وموقف بعض قادتنا وتفريطهم بحقوقهم وسيادة أوطانهم… ما زال يعمل بكفاءة عالية، فلا الوعد تمت مقاومته ووقفه ولا دولة اليهود توقفت عن التوسع والنمو في ظل حالة تشبه إلى حد بعيد حقبة الحرب الكونية الأولى وما نتج عنها وخصوصاً حال العرب وقادتهم. فمنذ ولادة الدولة الصهيونية في عام 1948 وحتى الآن، لم يتوقف التآمر الاسرائيلي لا على الشعب الفلسطيني ولا على أمتنا العربية. كل الذي حصل بعد ما يزيد عن الستة عقود: أن إسرائيل أصبحت أكثر عدوانية وصلفاً وعنصرية عاماً وراء عام. من جانب ثان: ازداد التآمر الاستعماري على الوطن العربي وهو ما يؤكد حقيقة المؤامرة التي صيغت خيوطها في أوائل القرن الزمني الماضي.

خلاصة الكلام: لمناسبة ”وعد بلفور” وغيره من المشاريع التصفوية يفضي بنا هذا كله، إلى اليقين بأن ما يجري اليوم على صعيد المنطقة، من أقصاها إلى أدناها، إن هو إلاَّ واحد من تداعيات ذلك الوعد الذي أعطاه (من لا يملك لمن لا يستحق)، من قبل آرثر بلفور وزمرته، من صهاينة البريطانيين، وفي مقدمتهم سايكس وتشرشل وإيدن وتاتشر وبلير و… إن كثيراً من الأمور يمكن أن نفعلها لمناسبة ذكرى 103 أعوام من وعد بلفور، والمهم فيها أن تبدأ، وأن تتكامل وأن تحدث أثرها المطلوب عالمياً في تذكير العالم بوعد ظالم، وبضرورة الاعتذار عنه، ووضع حد لتداعياته الكارثية على الشعب الفلسطيني وعلى الإنسانية.

كاتب صحفي من المغرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى