30 يونيو… ثورة لتصحيح مسار التاريخ….!

حكم الإخوان شهد مستوى متدن من خطاب الكراهية...

بدون مقدمات، الشعب المصري في الثلاثين من يونيو رفض ”تقزيم” مصر، و أن تتخلى مصر عن عروبتها، وإسلامها السمح القويم… وبرهن الشعب العربي المصري، أن لا حدود لطاقات هذا الشعب ثورياً، ونضالياً، وانتماء لهذه الأمة …‏ وأكد بتحد وغضب، أن لا أحد يمكنه أن يعلن موت العروبة في مصر، ولا حدود لطاقة الشعوب العربية في تحقيق ثورتها، وعنفوانها القومي.‏ فالخروج الشعبي الكبير في 30 يونيو والقرارات الحاسمة للقوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسى في 30 يونيو أنقذت مصر من كارثة كبرى كادت أن تطيح بالدولة وبأركانها الثابتة وبمؤسساتها الرئيسية الراسخة، ومن ثم يمكن القول بكل موضوعية أن الخروج في 30 يونيو كان انقلاباً شعبياً بحق ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين الاستبدادي وتوجهاته الخطيرة التي لا تؤمن بالوطنية ولا باحترام حدود الدولة ولا بأهمية الحفاظ على مؤسساتها…

لقد اعتقد إخوان مصر ”ضلالاً” أن الوثوب إلى منصب رئاسة مصر يعني حقهم في (أخونة) أجهزة الدولة، وبالتالي الهيمنة تدريجياً على المجتمع المصري وتطبيق مفاهيمهم على مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية من خلال الإرهاب المنظم.‏ وهو العمل الوحيد الذي أثبتت الأحداث أنه يتقنه تنظيم الإخوان المسلمين أينما حل بلاؤه.‏ فبعد إرسال مندوبهم إلى قصر الاتحادية، تنكر الإخوان لوعودهم كافة، وحاولوا السيطرة على كل المناصب في مصر، وعملوا على أخونة الدولة، وأرادوا فرض نهجهم الاجتماعي على الجوانب الاجتماعية الحياتية على الشعب المصري. ليس ذلك فقط وإنما حَللوا كل الموانع السابقة التي تمثلت في: استمرار عقد الاتفاقيات مع الولايات المتحدة، وإبقاء معاهدة ”كامب ديفيد” مع إسرائيل، وإجراء الحوارات الكثيرة مع الدول الغربية، وقطع العلاقات نهائياً مع سوريا. عملوا على تكميم الأفواه في الداخل وقمع الحريات، والتهديدات المستمرة بالسجن والمحاكمة للمعارضة. تلك هي التهديدات التي أطلقها ”مرسي” بحق المعارضة.

اكتشف المصريون حقيقة الإخوان خلال سنة واحدة فقط من حكمهم. سنة من الفشل والأوهام والادعاءات المزيفة، احتكروا الدين الإسلامي الحنيف ووظفوه من أجل إقصاء كل القوى الأخرى التي اعتبروها (عدوَّة) لهم! لقد صعَّد الإخوان المسلمون الوضع وجعلوه أقرب إلى الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية. فقد انزلق النظام الأخواني إلى مستوى متدن من خطاب الكراهية والتحقير لخصومهم بشكل لا يليق مطلقا برسالة الإسلام السامية، وتبارى إعلامهم في التحريض العلني على سفك الدماء والانتقام من المعارضين ونعتهم بأسوأ الكلمات، بل وصل الأمر ذروته حين انزلق بعض قادتهم إلى استخدام لغة طائفية وخطاب عنصري مذموم حول الخلاف السياسي إلى خلاف حول المذهب والعقيدة والدين. وارتكب الرئيس المعزول ”محمد مرسي” خطأ لا يغتفر حين صمت على تصاعد حدة هذا الخطاب دون أن يوقفه أو يحاسب من يروجه. في حين سمحت جماعته بأن يعتلي منصتها مجموعة من الموتورين دينياً وأيديولوجياً كي يبثوا رسائل العنف والكراهية دون خجل.

وشهد عام حكم الإخوان اتجاه الأوضاع الداخلية المصرية الاقتصادية ـ الاجتماعية، نحو مزيد من التأزم، واللجوء إلى الاستدانة الخارجية والارتهان، خلافاً لمبادئ الشريعة التي تدعيها الحركة، وشعاراتهم خلال فترة تواجدهم في المعارضة بوصفها حلول تهدئة مؤقتة ومشروطة أيضاً.

كما لم يعمل الإخوان على تنفيذ وعودهم حول إسقاط اتفاقية ”كامب ديفيد” أو تعديلها بالحد الأدنى، لما تضمن من انتقاص لسيادة مصر، لا بل واصلوا تطوير علاقاتهم مع إسرائيل، كذلك مع الدول الغربية وأمريكا، وبالتالي تقزيم دور مصر عربياً ودولياً إلى درجة الذيلية والتبعية.

فى ظل هذا المناخ الفاسد لم يكن غريباً أن يسقط ”مرسي” وجماعته ويسقط معهم خصومهم سياسياَ وأخلاقياً. ويسجل لـ ثورة 30 حزيران أنها استطاعت وخلال 72 ساعة فقط، الإطاحة بنظام الرئيس ”محمد مرسي” وتصحيح مسار ثورة 25 يناير، إثر المظاهرات المليونية التي عمت ميادين  المدن المصرية ضد القوى التي اختطفتها والمتمثلة في حركة الإخوان المسلمين، وأنصارها في الجماعات الإسلاموية المتطرفة. وساعد في نجاح هذه الاحتجاجات وإنجازها لخطوتها الأولى، الموقف الوطني للمؤسسة العسكرية، التي حاول مرسي تحجيمها، والتي أعلنت في المقابل وأمام هذا الحراك الجماهيري  إنذارها الشهير بمنح 48 ساعة للتغيير والتوافق في الطيف السياسي المصري بمكوناته المختلفة، نزولاً عند رغبة عشرات الملايين المحتجين، على أسس جديدة تضمن مواصلة مصر لدورها الوطني والقومي والتاريخي، وأيدته في ذلك قوى التغيير والإصلاح في اجتماعها الطارئ مع أركان القوات المسلحة، وهذا ما رفضه ”مرسي” وجماعته وأدت تالياً إلى إقصائه.

الإخوان المسلمون المتعطشون للسلطة منذ بداية نشأة هذا التنظيم عام 1928 في لندن انتهجوا سياسة القتل والاغتيالات والتحريض على العنف واستغلوا الحراك الشعبي ضد نظام ”حسني مبارك” ليتسلقوا إلى السلطة حيث فشلوا في تحقيق مطالب المصريين ولم يستطيعوا التخلص من سياسة كل ”من ليس معنا يجب محاربته وقتله”. ”الإخوان المسلمون” الذين نزلوا إلى الشوارع، يدّعون شرعية فقدت شرعيتها في ميادين الملايين في الثلاثين من حزيران، أخطؤوا عندما اختزلوا مصر كلها بحزبهم، واختصروا كل المصريين بجماعتهم، وتمادوا في خطأهم أكثر وأكثر عندما اعتبروا الكرسي هو المبتغى، ودونه رقاب ودماء، ولكن خطأهم الأكبر تجلى بإمعانهم في تحليل الأموال التي قبضوها من أمريكا عبر خيانة مصر المحروسة وتحويلها إلى ساحة حرب لا متناهية.‏

وبشكل مفاجئ تحولت جماعة الإخوان المسلمين إلى دولة داخل دولة، وظهرت الأسلحة التي خزنت بكثافة في الشهور الماضية، وانتشرت الميليشيات التي دربت مسبقاً تعلن التمرد، وكثر الهرج والمرج، وعاثوا في الأرض فساداً وترهيباً بقتل المعارضين للرئيس المخلوع ”مرسي” ورميهم من فوق أسطح العمارات، والتمثيل بجثثهم، والتحرش بالمتظاهرات، ومضايقة المتظاهرين بالسلاح الأبيض، وحتى إطلاق النيران عليهم، والدخول في مناوشات مع القوات المسلحة النظامية، واستخدام الأسلحة الثقيلة وقذائف الهاون و”آر بي جي” في مهاجمة مطار العريش ومواقع الجيش المصري والشرطة في سيناء، ومناداة كل قياداتهم بإعلان الجهاد بإسم الجماعة على القوات النظامية والشعب المعارض.

فهم، لم يقتنعوا حتى الآن أن الشعب المصري قال كلمته التي أكدت عدم صلاحيتهم للحكم وأن زمن حكم الإخوان قد ولى بعد الفشل الذريع في تحقيق ما تمناه المصريون خلال حراكهم الشعبي وذلك في العيش الكريم والحفاظ على هيبة الدولة المصرية وعدم الرضوخ للاملاءات الخارجية التي تتربص شراً بالمصريين حيث باتت مصر في زمن حكم الإخوان رهينة بيد المرشد الذي يأتمر بأوامر التنظيم الإخواني الدولي الذي تموله قطر وترعاه تركيا… لم تدخر جماعة الإخوان المسلمين في مصر أي عمل إجرامي أو لا إنساني إلا وعمدت إلى تنفيذه في سبيل العودة إلى السلطة بعد أن تم عزل زعيمهم ”محمد مرسي” من قبل الشعب العربي المصري.

والمتابع لتصريحات قيادات هؤلاء ”الإخوان” وتبجحهم العلني باستدعاء قوى الغرب المتصهين لتوجيه ضربة عسكرية ضد الجيش المصري، فضلاً عن أحاديث المتحدث آنذاك بإسم جماعتهم ”جهاد الحداد” والتي خصها لصحيفة ”معاريف” الإسرائيلية وحاول فيها توصيف الجيش المصري بالقاتل، ويدرك تماماً بأن”الإخوان” لن يألوا جهداً ولن يتوانوا عن ارتكاب أي حماقة أو قذارة في سبيل اغتصابهم للسلطة مجدداً، كما أنهم وبإسم الدين والشرع والحلال والحرام الذي هو منهم براء سيحرقون الأخضر واليابس وسيمعنون في تصفية كل من يعترض طريقهم أو يقول لهم لا مهما كان الثمن ومهما بلغت التكاليف البشرية، كيف لا… وتاريخهم الأسود موصوم ”بالانتحاريين والجهاديين”، وحافل بالعمليات الإرهابية الدموية والتفجيرات والاغتيالات و القنابل الحارقة التي لم تستثن حتى الرُضَع.

ولذلك نجد أن الإخوان يعملون الآن بمساعدة من يمولهم من الدول الإقليمية التي تنتهج نهج الإخوان ولاسيما في تركيا على توتير الأجواء وجر مصر نحو العنف والفوضى وبما يخدم أجندتهم ومنهجهم في التمسك بالسلطة بأي وسيلة كانت ولو أدى ذلك لتقسيم البلاد والعباد وهو ما يتقاطع مع أجندة المشروع الصهيو أميركي لتقسيم المنطقة بما يحقق الحفاظ على مصالح الدول الاستعمارية وحفظ الكيان الصهيوني.‏ ويبدو أن الإخوان قد فضلوا اختيار طريق العنف، ومواصلة سياساتهم ذات الأفق الضيق التي كانت سبباً في استفزاز الأغلبية الشعبية، ودفعها إلى الثورة عليهم وإخراجهم من الحكم في وقت مبكر.

إن سقوط حكم الإخوان في مصر ساهم في حدود ليست قليلة، في احتدام أزمة ما يسمى ”الربيع العربي”، بعد أن سقطت لافتات الديمقراطية والإصلاح… فما جرى لجماعة الإخوان المسلمين في مصر ترك آثاره المزلزلة على الجماعة ليس في مصر وحدها، بل في عدد من الدول العربية ودول المنطقة كذلك، لأن الحديث يدور في جميع أنحاء العالم ليس عن ضربة سياسية، سواء أكانت متوقعة أم مفاجئة، ذلك أن ما فاقم خطورة ما تعرضت له جماعة الإخوان يحمل في طياته ضربة آيديولوجية ملازمة تمامًا مع الضربة السياسية. وعندما يجري الحديث عن أن الجماعة فقدت في سنه واحدة 90 بالمائة من شعبيتها التي بنتها في مصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية، فإن ذلك يفسر عمق الصدمة التي تعرضت لها الجماعة ليس فقط في فقد قاعدتها الشعبية في الشارع المصري، بل في عدد من الدول خارج مصر.

ولابد أن نعترف أن سقوط ”مرسي” وجماعته شكّل أيضاً صفعة مريعةً للسياسة الأمريكية، وهزيمة لمشاريع الإدارة الأمريكية التي راهنت على وصول الإسلاميين إلى السلطة  في مصر، وفي العالم العربي والإسلامي، مقابل:‏ التصالح مع إسرائيل، وقطع العلاقات مع إيران… وتحويل الصراع إلى صراع طائفي مذهبي… وترويض حركة حماس، وتحويلها إلى حركة إخوانية تأتمر بأمر السلطان العثماني ”رجب طيب أردوغان” ودعم تدمير الدولة السورية آخر خنادق الكرامة العربية، والنضال من أجل تحرير فلسطين. إن  بقاء الإخوان المسلمين في السلطة  كان سيقود مصر، إلى الخنوع الكامل ليس لأمريكا وحسب، وإنما لأدواتها وبيادقها في المنطقة، لتتحول إلى دويلة قزم…‏

خلاصة الكلام: إن قدر مصر أن تكون موحدة ودولة مدنية وقوية ومصدر إلهام لشعوب الأمة العربية كما كانت، وأي خلل أو تراجع عن هذا الدور الطليعي سينعكس سلباً على مجمل الأوضاع العربية، ومنظومة العمل العربي المشترك، والأمن القومي العربي، مثلما أدى غزو العراق واحتلاله وخروجه من معادلة الصراع مع الكيان الصهيوني إلى الإخلال بموازين القوى بالمنطقة لصالح أطراف وقوى لها أطماع ومشاريع بالمنطقة تتقاطع مع المشروع القومي العربي واشتراطاته.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى