“alarabipress” تنشر تقرير “مصلحة الليطاني”: هدرٌ وتلوّثٌ وعيوبٌ ومحطاتُ تكريرٍ مُعَطّلة

ملايين الأمتار المكعبة من الصرف الصحي تصبّ في "نهر الليطاني والبحيرة" والدولة فَشِلَت والمصلحة تستعيد وعيها... الرقابة أو هدر 1100 مليار

تَحَوّلَ تلوث “نهر الليطاني”، أكبر الأنهار اللبنانية (يمتد على طول 170 كلم من منبعه في شمال سهل البقاع (شرقاً) إلى مصبه في البحر المتوسط (غرباً))، إلى “قلق وطني عارم في البلاد”، فنسب التلوث في النهر وحوضه الجوفي وبحيرة القرعون الاصطناعية “تجاوزت الخطوط الحمر”.

ملف التلوث (نهر الليطاني وبحيرة القرعون) تحوّل برمّته إلى مجلس الوزراء لإيجاد حلول سريعة للحد من التلوث المتفاقم منذ عقود نتيجة عوامل متعددة، أبرزها “الإهمال الرسمي وفوضى النمو الصناعي واستخدام المبيدات الزراعية والنفايات الصناعية والاستشفائية السامّة وتحويل مجرى النهر إلى مصب للمياه الآسنة”، والحكومة اللبنانية رأت إن رفع التلوث عن النهر وبحيرته يحتاج إلى نحو 750 مليون دولار، والمتوفر فقط هو 50 مليون دولار.

فنهر الليطاني لم يعد كما يعهدهُ ويفتخر ويعتز به اللبنانيون بمياهه العذبة وغزارتها، إذ “تحوّل النهر من منبعه حتى مصبه مروراً ببحيرة التخزين الإصطناعية (القرعون) إلى “نهر ناقل للأمراض السرطانية والجلدية للبنانيين والملوثات تُهدّد تنوعه البيولوجي في حوضه الكبير”.

فجأة تصدرت القضايا المتمحورة حول تلوث نهر الليطاني بعد سنوات من الإهمال الممنهج، من قبل الحكومات المتعاقبة، وانتشاء الوزارات والمؤسسات المعنية بتحول المشكلة إلى “كارثة” على مستوى الوطن، سُمّي الملوثون بأسمائهم، سُطّرت الإنذارات بحق المخالفين، وأشير بالأصابع إلى المسؤولين عن إيجاد حلول جذرية لنهرٍ كان يعتبر ثروة وطنية قبل أن تغزوه التعديات بـ”غطاء سياسي”.

إجراءات دأبت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بشخص مديرها العام الدكتور سامي علوية على تنفيذها بشكل دوري مؤخراً بـ”الاستفاقة المتأخرة”، و يقول مرجع بيئي “مات النهر، وما عادت تنفع مع نسب التلوث الخطيرة التي وصلت إليها مياه الليطاني أي إصلاحات”.

الدكتور علوية

الدكتور علوية، الذي أولى “مهمة الحوكمة”، ورفع التلوث عن الليطاني، واستثمار الموارد المائية وحمايتها، مضى في “حربه في مكافحة تلوث الليطاني وسط من أصحاب المصالح الملوثة بـ”ضغط سياسي” لم تنفع معه، فحوّل المخالفين إلى “القضاء”، لكنها “لم تفلح في ردع المخالفين ورفع ملوثاتهم”، مستمراً في وضع أزمة تلوث الليطاني إلى “قضية” على “سكة المكافحة بشكل جدي”، وفق ما قاله علوية في حديثٍ خاص لـ”alarabipress”، مضيفاً، “بدأنا مع الجهات المسؤولة عن رفع التلوث، من خلال كتب أرسلناها “للوزارات والجهات الرسمية المختصة والقضائية”، ومنها، وزارت: الطاقة، البيئة، الصناعة، الزراعة، ولمجلس الانماء والاعمار، لاستصراحهم حول كيفية انفاق الاعتمادات التي حصلوا عليها وبرامج عملهم لانفاق هذه الاعتمادات، ومكافحة التلوث، لكن لم نحصل على رد”.

مشيراً إلى “أن القانون رقم 63 خصّص اعتماد اجمالي قدره 1100 مليار ليرة لبنانية للقيام بالمشاريع اللازمة لمكافحة التلوث في منطقة حوض نهر الليطاني من النبع الى المصب، موزعة على 7 سنوات”، حصلت حتى الآن وزارة الطاقة على 100 مليار في الـ2017 و150 مليار عن الـ2018، وزارة الصناعة على 5 مليار، وزارة الزراعة على 5 مليار، وزارة البيئة على 6 مليار، أي ما يعادل 266 مليار عن العامين 2017 و 2018.

وبعد الانتهاء من استصراح الوزارات والمؤسسات المعنية، ومواكبة رفع التلوث عن بحيرة القرعون، “لم يكن على قدر التوقعات”، لأن “المصانع والمعامل الملوِثة، حضيت ومنحت مهل مبطنة عكس القانون الذي يقول بمكافحة الملوثين بشكل مباشرة ومن دون مواربة”، متسائلاً عن “غياب دفع القوى الأمنية لملاحقة المعتدين وإصدار الاحكام القضائية بحقهم”.

التقريرها السنوي

“الوكالة العربية للأخبار ـ alarabipress” تنشر ما كشفته “المصلحة الوطنية لنهر الليطاني” في تقريرها السنوي حول الصرف الصحي في حوض نهر الليطاني “وجود ملايين الأمتار المكعبة من الصرف الصحي تصب في نهر الليطاني، وضياع وهدر المليارات ما بين المتعهدين وتعثر التنفيذ”.

ولاحظت ان التلوث الأكبر حجماً يتأتى من الدولة نفسها التي “فشلت في معالجة مشكلة الصرف الصحي ولم تنجح الا في مجال التلزيم”، على أن “العلّة الأساسية لفشل المشاريع” لخصها التقرير في “وجود عيوب في الدراسات والتصاميم وسوء التنفيذ وعدم استدامة تشغيل شبكات الصرف الصحي بالشكل اللازم”.

هدر المال العام

يتحدث التقرير عن القانون الذي سبق وأقر في المجلس النيابي رقم 63 تاريخ 27/10/2016 المتضمن تخصيص اعتمادات لتنفيذ بعض مشاريع وأعمال الاستملاك العائدة لها في منطقة حوض نهر الليطاني من النبع الى المصب، وخصص اعتماد عقد اجمالي قدره 1100 مليار ليرة لبنانية لتنفيذها خلال مدة سبع سنوات. غير أن تنفيذ هذا القانون إنقلب من واقع صحي لإنقاذ النهر ورفع التلوث الى واقع مغاير يوازي هدر المال العام، نتيجة التأخر بتنفيذ مشاريع الصرف الصحي ومحطات التكرير من قبل الجهات المسؤولة عنها، ما هدد صحة الناس وأدى الى انتشار الأوبئة في منطقة حوض الليطاني الأعلى وازدياد الامراض السرطانية هناك وفقا لما تثبته ارقام وزارة الصحة العامة والدراسات العلمية المنشورة.

آداء إداري سيئ للمشروع

وفي حين تم رصد مبلغ 55 مليون دولار اميركي بموجب مشروع: “الحد من التلوث في بحيرة القرعون” بناء على اتفاقية قرض لتمويل المشروع وقعت بين الجمهورية اللبنانية ممثلة بمجلس الإنماء والإعمار والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، فقد ورد في تقرير البنك الدولي الذي تبلغته المصلحة الوطنية لنهر الليطاني حول “المراجعة نصف المرحلية للمشروع” ما يؤكد تعثر اتفاقية هذا القرض لكون التنفيذ العام للمشروع غير مرضٍ بالنظر إلى التأخير الكبير في تنفيذه. وحيث أن النشاط الرئيسي للمشروع هو بناء شبكات الصرف الصحي، كانت المؤشرات في اذار 2020 كالتالي:
–  لم يتم إنشاء سوى 4% فقط من شبكات الصرف الصحي المقررة (18 كلم من 441 كلم).
–  لم ينفق سوى 6.3% فقط من الميزانية المتعلقة ببناء شبكات الصرف الصحي.
–  لم يتم وصل سوى 1.8% (168 منزلاً) من المنازل بشبكة الصرف الصحي من أصل العدد المحدد في المشروع والبالغ 9150 منزلاً.

وقد سلط تقرير “المراجعة نصف المرحلية للمشروع” الضوء على العديد من القضايا اهمها: الأداء الإداري السيئ للمشروع، عمليات الشراء الطويلة للأعمال وأنشطة المساعدة الفنية ونقص التنسيق بين الأطراف المعنيين.

69 بلدة يستمر تدفق صرفها الصحي إلى الليطاني والبحيرة

ووفقاً لمصلحة الليطاني فإن المشكلة المتفاقمة الناتجة عن تدفق مياه الصرف الصحي المستمر من 69 بلدة في البقاع الشمالي والبقاع الاوسط والبقاع الغربي الى نهر الليطاني وبحيرة القرعون لا تزال تتسبب بهدر الموارد المائية والمالية بسبب تعثر الجهات المعنية في تطبيق القانون رقم 63 بالإضافة الى التعثر في تنفيذ المشاريع الملحوظة في القرض بقيمة 55 مليون دولار اميركي بموجب مشروع: “الحد من التلوث في بحيرة القرعون”.

الليطاني يدحض تقرير الانماء والاعمار

وينفي تقرير مصلحة الليطاني صحة تقرير مجلس الانماء والاعمار ويقول ان الواقع على الأرض لم يظهر أي تغير او تحسن في نوعية مياه بحيرة القرعون ونهر الليطاني ولا تقدماً في تنفيذ محطات التكرير.
ويتابع التقرير: “في ظل اعتماد الحلول المركزية لمنظومات معالجة الصرف الصحي المترافقة مع عيوب في الدراسات والتصاميم وسوء التنفيذ وعدم استدامة تشغيلها بفعل الحاجة الى مصادر هائلة من الطاقة وعدم توفر القدرات الفنية والمالية لتشغيلها من قبل مؤسسة مياه البقاع، فإن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني تحفظت على ما تضمنه مشروع المخطط التوجيهي لأقضية زحلة والبقاع الغربي وراشيا لجهة استخدام المياه الخارجة من محطات التكرير لغايات الري لعدم استدامة تشغيل تلك المحطات وعدم وجود اي معايير علمية محلية معتمدة لتحديد نوعية تلك المياه لري المزروعات، وبالتالي فإن المياه الخارجة من هذه المحطات غير صالحة للاختلاط بالأوساط المائية”.

محطات التكرير تعاني ضعفاً في التشغيل

وجاء في التقرير ان “محطات التكرير القائمة في الحوض الأعلى لنهر الليطاني تعاني من ضعف هائل في قدرة التشغيل والمعالجة فنياً ومالياً من قبل مؤسسة مياه البقاع، كما ان محطة تكرير زحلة مهددة بالتوقف بسبب عدم الاعتمادات لتشغيلها من قبل مجلس الانماء والاعمار ومؤسسة مياه البقاع”.

وقد وجهت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني سلسلة كتب الى الجهات المعنية طلبت بموجبها العمل بشكل فوري على تأمين الاعتمادات اللازمة لضمان استدامة تشغيل وصيانة محطة تكرير الصرف الصحي التابعة لمدينة زحلة من قبل مجلس الانماء والاعمار او مؤسسة مياه البقاع وذلك تفاديا لوقوع كارثة بيئية وصحية تضاف الى معاناة سكان منطقة الحوض الأعلى لنهر الليطاني، خاصة وانه في حال عدم تجديد عقد الإدارة الحالية أو إيجاد حلول أخرى سيتدفق 18 ألف متر مكعب يومياً من مياه الصرف الآتية من المناطق السكنية التابعة لمدينة زحلة من دون معالجة مما سيشكل كارثة بيئية لمياه نهر الليطاني وبحيرة القرعون.

علماً أن تكلفة بناء محطة زحلة قد بلغت 36.8 مليون دولار اميركي وإن التوقف عن تشغيل المحطة يكون بمثابة هدر للمال العام وللموارد المائية والبيئية. خصوصاً وأن الفرق الفنية في المصلحة رصدت خللاً هائلاً في تشغيل محطتي صغبين وجب جنين اللتين قامت مؤسسة مياه البقاع بتلزيم ادارتهما وتشغيلهما، مما يطرح تساؤلات حول الأموال المهدورة على تشغيل تلك المحطات!.

واقع حوض نهر الليطاني

وتضمن التقرير معطيات عن واقع الصرف الصحي في منطقة حوض نهر الليطاني:
69 بلدة في الحوض الأعلى (بناء على مسح المصلحة) إضافة إلى نحو 15 بلدة في (الحوض الأدنى (بناء على مسح شركة ELARD) تلقي الصرف الصحي مباشرة في أراضٍ مكشوفة و/أو مباشرة في النهر من دون أية معالجة أولية.
–  الحجم التقريبي لكميات الصرف الصحي في النهر حوالى 46 مليون م3 سنويا تصب بمعظمها في النهر مباشرة أو تتسرب الى المياه الجوفية وذلك في ظل غياب أو تعطل محطات التكرير.
–  تشير التقديرات الى أن المساحات التقديرية للأراضي الزراعية على ضفاف النهر (على بعد 2 كلم على جانبي النهر) تبلغ حوالى 8396 هكتاراً وذلك بالاعتماد على خرائط استخدامات الأراضي حيث أن هذه الأراضي كلها قابلة للري من النهر بشكل مباشر.
وعن واقع محطات معالجة الصرف الصحي في حوض نهر الليطاني:
-10  محطات معالجة في الحوض الأعلى (3 قيد التحضير و7 قائمة وتعمل لكن ليس بالقدرة والفعالية المطلوبة + شبكات الصرف الصحي غير مكتملة).
-16  محطة معالجة في الحوض الأدنى (11 قيد التحضير و5 قائمة لكن ليس بالقدرة والفعالية المطلوبة + شبكات الصرف الصحي غير مكتملة).

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى